فهرس الكتاب

الصفحة 12701 من 27345

معتصم أبّكر محمود*

فجأة انقطع التيار الكهربي؛ فاستلقيت على سرير في فناء الدار.. أخذت أحملق في السماء.. أسرتني روعتها الساحرة وتغيرت أحاسيسي المهترئة.. فإذا بنور القمر يصافح مُقلتيّ، وإذا بالنجوم تزداد لمعانًا وعناقًا كأنها تخاطبني، وتُسِرّ إليّ بشيء.. وكلما توغل الليل ازدادت لمعانًا وعناقًا.. إنها لوحة بديعة لا تستطيع البومة أن تغير من ملامحها بصوتها المزعج..

وفي ليل واقعنا الراهن ثمة قمر منير، وثمة نجوم تتلألأ، وثمة شمس احتجبت لتشرق في الغد الآتي..

إن أحلامنا ليست مستحيلة.. باستطاعتنا أن نجعل ضالاَّتنا تعود.. باستطاعتنا أن نغير وجه العالم الشرير إلى وجه آخر يشعّ بالضياء.. فعلى من يريد التغيير أن يقول: سأسعى وأسعى من أجل التغير؛ حتى ولو انقطع أملي في العباد فلن ينقطع أملي في رب العباد، وحتى ولو فشلت في استمالة القلوب إلى منهج الله فلن أفقد الثقة في مقلب القلوب والأبصار، وسأمضي في طريقي رغم كيد النائبات، وسأبذل قصارى جهدي حتى يتحقق هذا الأمر أو أهلك دونه..

لا يعقل أن تفقد أمة شهيتها في العزة والنصر والخلاص والسعادة، وتفقد ذاكرتُها المقدرةَ على بثّ الصورة الجميلة للذكريات الموروثة، أو احتمالات مستقبلها المشرق

مثل هذه المشاعر، والتأكيدات الإيجابية لَجديرة أن تجد لها في قلوبنا منتجعات آمنة.. ولا بد للأمل أن يترسب في أعماق وعينا..

ولكن من المؤسف حقًا أن يبلغ ببعضنا اليأس إلى الحد الذي يعتقدون فيه أن استحالة تغيّر العالم الإسلامي من المسلّمات التي لا تنتطح فيها عنزتان.. وأن إمكانية التغيير هي الوجه الآخر المعجزة.. وأن فكرة النهوض أسطورة لا تجد لها مرتعًا إلا في أفلام الكرتون.. وإن الحديث عن مجتمع إسلامي موحّد - تسوده المبادئ الإسلامية السامية، والقيم الإنسانية الفاضلة - هو حلم يقظة يوتيبياوي ليس إلا..

والفاجعة الكبرى هي أن هذه المعتقدات المنتنة، السالبة قد اصطبغت في عقولهم بأصباغ دوجماطيقية عالية السُمِّيَّة..

لا يعقل أن تفقد أمة شهيتها في العزة والنصر والخلاص والسعادة، وتفقد ذاكرتُها المقدرةَ على بثّ الصورة الجميلة للذكريات الموروثة، أو احتمالات مستقبلها المشرق!!.. كل ما تتذكره هو عجزها عن فعل شيء!!.. إنها أعراض إكلينيكية لما أُسَمِّيه بـ (مرض الاكتئاب الجمعي) ..

إنهم بهذا يضربون بكل سنة كزموزية عرض الحائط.. لقد نسوا أن كل الحضارات تبدأ من ضعف وتتجه إلى القوة؛ مثل الإنسان تمامًا..

إن أمريكا - التي يقول البعض عنها بلا حياء (إنها سيدة العالم) - لم تكن في العهد القريب شيئًا مذكورًا.. كانت نطفة من جهل الهنود، ونيرانهم..

ثمة أسئلة تدور في خاطري.. ألأَِننا لم نحس بالخطر حتى الآن؟، أم لأننا نستشعره ولكننا سلّمنا بأن الكوارث واقعة لا محالة؛ وأن التحور لمواكبة هذه الحقيقة الماثلة ضرورة حتمية؟.. لماذا لا نبحث عن طريق يخرجنا من هذه المتاهة؟!..

إن أعداءنا لن يعطوا هؤلاء الغافلين بطاقات تكريمية، ولن يفرقوا في قتلهم بين الذي يقضي ليله ساجدًا لله تعالى وبين الذي ورث الدين عن أبويه واتخذه لعبًا ولهوًا وهو أهون عليه من ثوبه القديم

إنني متأكد بدرجة لا تدع احتمالًا للشك أن بعضًا منا ليس لهم إرادة في التغيير!!.. وأشك شكا يقارب اليقين في أن لهم مجرد الرغبة في ذلك.. وأعرف أن إخوانًا لنا - هداهم الله - لا يهمهم أمر هذا الدين.. ومن تشريف الله للدين، ولسنة التغيير قد اختار للقيام بأمرهما الأخيار..

إن أعداءنا لن يعطوا هؤلاء الغافلين بطاقات تكريمية، ولن يفرقوا في قتلهم بين الذي يقضي ليله ساجدًا لله تعالى وبين الذي ورث الدين عن أبويه واتخذه لعبًا ولهوًا وهو أهون عليه من ثوبه القديم.. كم من المستهترين بالدين، والمنتسبين للدين لا صلة لهم بالإسلام سوى قولهم (إننا مسلمون) وهم قد قتلوا في بلاد المواجهة، وقد كانوا يعجبون بالعدو، ويقدسون نجومه المعتمة..

هنالك الكثير من أنواع القتل في كل الأقطار الإسلامية تقريبًا غير قتل النفس؛ فهنالك قتل الهوية، وقتل الإرادة، وقتل الكرامة، وقتل العزة، وقتل الاستقلالية، وقتل الأمل!!.. كل هذا أخطر بكثير من الموت إثر رصاصة حاقدة.

إن الشعور بوحدة العقيدة، ووحدة الحياة، ووحدة المصير من أهم مقوّمات الجماعة الناجحة؛ وعلينا أن نُعمّق هذا في نفوسنا..

إننا شئنا أو أبينا أمة واحدة تحت سقف الخريطة، والأهم أن الآخرين يصنفوننا كذلك؛ فما الذي يمنعنا أن نكون كتلة حقيقية، وجسدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى؟!، وما لم يحدث هذا فلن نجني من نزاعاتنا الفردية سوى عبثية الفرد، وغثائية الجماعة الزائفة!!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت