فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
نعيش اليوم ثلاثة مشاهد ، نستلهم منها درسا ، ونقطف منها عبرة ، ونغرس بها يقينا ، ونقوي بها عزما .
أما المشهد الأول: فإن عامر بن ربيعة رضي الله عنه ، أحد السابقين في الإسلام ، كان يستعد للهجرة إلى الحبشة ، فذهب ليقضي بعض حاجات أهله ، وترك زوجه تنهي بعضها ، فأقبل عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حتى وقف عليها وهو على شركه ، قالت: وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا . قالت: فقال: إنه الانطلاق يا أم عبدالله . قالت: فقلت: نعم والله ، لنخرجن في أرض الله ، آذيتمونا وقهرتمونا . حتى يجعل الله فرجا . قالت: فقال: صحبكم الله . ورأيت له رقة لم أكن أراها ، ثم انصرف . وقد أحزنه فيما أرى خروجنا . قالت: فجاء عامر بحاجته تلك ، فقلت له: يا أبا عبدالله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا . قال: أطمعت في إسلامه ؟ قالت: قلت: نعم . قال: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب . قالت: يأسا منه ، لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام .
لقد يأس الصحابي السابق في إسلامه ، المهاجر فرارا بدينه ، من أن يفتنه قومه ، يأس من إسلام عمر ، فقد كان عمر شديد البطش بالمسلمين ، قاسيا غليظا . ولكن ما كان ميئوسا منه وقع ، وأسلم عمر ، بل سبق اليائس منه في المنزلة ، والمكانة ، وغدا ثالث رجل في دولة الإسلام ، وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم الفاروق ، وكان إسلامه عزا للإسلام وأهله .
والعجيب ايها الإخوة الأحبة أن أكثر المسلمين لا يعرفون عامرا ، وليس فيهم من لا يعرف عمرا رضي الله عنهما .
لقد من الله تعالى على عمر بما لم يمن به على اليائس من إسلام عمر ، وتفضل على الميئوس منه بفضل عميم لم ينله اليائس ذلكم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
المشهد الثاني: رسول الله صلى الله عليه وسلم قادم من الطائف ، مجروح فؤاده ، منهكة قواه ، شارد ذهنه ، يائسا من خير ثقيف ، فقد مكث بينهم عشرة أيام يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، فقالوا: اخرج من بلادنا . وأغروا به سفهاءهم ، فتبعوه يسبونه ويصيحون به ، ورموه بالحجارة في عراقيبه ، حتى اختضب نعلاه بالدماء ، فلما رجع من الطائف بحاله تلك كئيبا ، محزونا ، كسير القلب ، قد أجهد أيما إجهاد ، ونال منه التعب كل منال . يقول صلى الله عليه وسلم عن نفسه: فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب - أي قرن المنازل - المعروف اليوم بالسيل الكبير . فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد يعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم . فناداني ملك الجبال ، فسلم علي ، ثم قال: يا محمد ، ذلك ، فما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين . أي: لفعلت .
فيا لروعة المشهد ، فما بين هلاك مكة عن بكرة أبيها إلا أن يشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنها لحظة الانتقام ، شفاء الغل ، سحق الكافرين ، والممتع في المشهد أن الدليل ناصع البيان ، صحيح صريح ، لا تأويل فيه ، ولا احتمال ، بأمر ربه يهلكهم ، بإشارة منه يعلمون أن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير . وما هو بملوم ، من ذا يستطيع أن يلومه ؟ لقد كذبوه ، وآذوه ، وقتلوا أصحابه ، وفتنوهم في دينهم ، وعذبوهم ، واضطروهم للهجرة مرتين ، ولا يزالون حجر عثرة في طريق الدعوة ، ونشر دين الله تعالى . ثم إن الذي يأذن له رب السماوات والأرض ، فوالله لو انتقم لنفسه ، وانتصر لأتباعه فما هو بملوم . ولكنه اختار أروع ، وأفضل ، وأسمى من الانتقام ، وأجل وأعظم من حظ النفس ، وراحتها ، وهناها ، فقال للملك: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا .
إنها شيمة العظماء ، وتصرف الكرماء ، وقمة الإباء ، ولا يحتملها إلا الأنبياء ، وأتباعهم من أكابر العلماء ، وصفوة الأتقياء .
نهض صلى الله عليه وسلم من الوقوع في عذاب النفس نشطا قويا ، ناظرا بفراسة التقي إلى المستقبل ، إلى البناء ، إلى الإسلام دينا قيما ، راية باسقة في علوها ، جامعة بين دنو الأرض ، وارتفاع السماء .