فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أيها المسلمون: فلننتقل سويا على المشهد الثالث: لنرى الحبيب بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه ، لنراه وقد احتدم القتال حوله ، في أحد ، وبدء المشركون يطوقونه يريدون الفتك به ، ولم يكن معه إلا تسعة من أصحابه ، فالتحموا مع المشركين في قتال عنيف ، ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني ، والبطولة والبسالة والفداء . فإنه لما أفرد صلى الله عليه وسلم ورهقه المشركون ، قال: من يردهم عنا وله الجنة ؟ أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، وهكذا ، حتى قتل سبعة من الأنصار ، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنصفنا أصحابنا . وبقي عليه الصلاة في القرشيين من أصحابه ، هما طلحة وسعد ، فكانت فرصة لا تعوض للمشركين في النيل منه ، وطمعوا في القضاء عليه ، فرماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة ، فوقع صلى الله عليه وسلم لشقه . وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى ، وكلمت شفته السفلى . وتقدم إليه عبدالله بن شهاب الزهري فشجه في جبهته ، وجاء فاؤس عنيد يقال له عبدالله بن قمئة ، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة ، ظل صلى الله عليه وسلم يشكو منها أكثر من شهر . ثم ضرب وجنته ضربة أخرى عنيفة كالأولى ، حتى دخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، وقال: خذها وأنا ابن قمئة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يمسح الدم عن وجهه: أقمأك الله .
وفي الصحيحين: فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله
.وعند الطبراني أنه قال: اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه رسوله .
فيا أيها المسلمون: هل ترون مقالته إلا حقا أبلج ، نعم كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله ، وما أشد غضب الله على من أدمى وجه رسوله . فإذا كنا بعد أربعة عشر قرنا وربع القرن نكاد نتميز من الغيظ على ابن قمئة وأصحابه ، فكيف يلام صاحب البلاء نفسه ؟ أو من قد حضر معه الواقعة ، وعاش معه ذلك المشهد رأي العين ؟ ولكن هي لحظة ، ما لبث أن استدركها صلى الله عليه وسلم ، كأنه يعاتب نفسه مع ما فيه من آلام وجراح ، وما يعلمه من الحق الذي معه ، والباطل الذي يتمسك به قومه . فمكث ساعة ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
وأنزل المولى تبارك وتعالى قوله: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .
إخوة الدين والعقيدة: من هذه المشاهد الثلاث ، نستلهم درسا مهما ، ما أحوجنا إليه في أيامنا هذه ، ولو عقل الدرس بعض القوم لما انتهكت أعراض المسلمين ، وسفكت دماؤهم ، وجروا إلى مواجهة يعلم الكل أنهم فيها هم الخاسرون .
نعم أيها الأحبة: إن أهم ما نقطف من ثمار هذه المشاهد أن لا نيأس ، لا نيأس من رحمة الله ، ولا من نصر الله ، ولا من هداية الله لأي كان .
فعمر أسلم ، وقد ظن عامر أن يسلم الحمار دونه ، وأمهل النبي صلى الله عليه وسلم قومه ، مع كل ما كان يواجهه من ظلم وعنت ، يرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ، فأمهل أبا جهل ، وأمية ، والوليد بن المغيرة . ودعا لقومه بالهداية في أحد ، وهم الذين أدموا وجهه ، وكسروا رباعيته ، فقال: رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، كما في الشفاء للقاضي عياض . فهدى الله من شاء منهم ، وتاب عليهم ، فآمن به واتبعه ، أبناء أولئك الصناديد ، رؤوس الكفر وقادة حزب الشيطان ، نعم ، لقد آمن به واتبعه قائد فرسان المشركين في أحد خالد بن الوليد بن المغيرة ، بل صار سيفا من سيوف الله مسلولا على أهل الكفر والزيغ والعناد . وآمن به صفوان ابن أمية بن خلف ، وآمن به عكرمة بن أبي جهل ، وما كان بين تلك المشاهد إلا بضع سنين بين كل مشهد ومشهد .
أيها المسلمون: هل نستطيع صبر أنفسنا عن شهوة الانتقام ، والانتصار ، والعلو ؟ هل نستطيع كبح جماحها حتى مع وجود الدليل حتى لا تطغى ، أو تحيد أو تميل ؟ ولتنظر في عواقب الأمور ، وتسبر غورها قبل أن تقدم على أي فعل قد ينتج نصرا ، وقهرا ، وعزا في وقته ، ولكنه يزداد من ذلك كله في حال الصبر والتحمل ، والفأل !
ألسنا نميل غالبا إلى أن لا نعطي الدنية في ديننا ؟ وهذا حق ، ولكن قد يكون أحق من هذا الحق ما تثمره شجرة الصبر والتأني والحكمة .
إن اليأس من هداية الناس ، أو إصلاحهم محطم للعزائم ، موهن للهمم ، دافع من تملكه ذلك اليأس إلى قتل نفسه ، وقتل من يظن أنه لا يؤمنون ، وأنهم لا يهتدون . وفي الحديث: من قال هلك الناس فهو أهلكُهم ، أو أهلكَهم ... وكلا المعنيين صحيح .
ولهذا فإن من الواجب علينا أن نتواصى بالحق ، وأن نتواصى بالصبر ، مع الإيمان والعمل الصالح ، ولننظر بعين العطف على الضالين ، ولنغطهم بجناح اللطف والحرص على هدايتهم ، وردهم إلى الله ، ولنسأل الله الثبات على الحق .