المتساقطون على طريق الدعوة..كيف؟ ولماذا؟
يتناول الدرس الأسباب التي يتراجع بسببها بعض الدعاة عن طريق الدعوة، سواء كانت أسبابا تتعلق بالحركة الإسلامية ذاتها أو تتعلق بالفرد، أو الأسباب والضغوظ الخارجية، وصنوف الناس أمام المحن .
أسباب التساقء:
أولًا: أسباب تتعلق بالحركة:
1-ضعف الجانب التربوي: فالجانب التربوي قد يأخذ من الحركة حيزًا محدودًا في حين تطغى الجوانب الأخرى الإدارية، والتنظيمية، والسياسية على كل شيء، ويبرز ذلك بشكل واضح في حياة القادة والإداريين، والذين يتولون الشئون السياسية والاجتماعية؛ مما يجعلهم مقطوعي الصلة بالتربية نظريًا وعمليًا، وبالتالي يجعل علاقاتهم، واجتماعاتهم، وممارساتهم جافة خالية من طلاوة الربانية.
والمسئول قد يظن أنه بلغ سنام الأمر من غير أن يحس بالخواء النفسي والروحي، وهو إن لم يفطن لذلك، فإنه ساقط لا محالة؛ فالإيمان كما هو معروف يزيد وينقص؛ بدليل قوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [4] { [سورة الفتح] وقوله:} وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [76] { [سورة مريم] وقوله:} وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِيمَانًا [31] [سورة المدثر ] وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:'ن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم' اه الحاكم والطبراني . فتعهد الأفراد بالتربية ـ جنودًا وقياديين ـ يجب أن يكون شغل الحركة. بل إن الظروف السيئة التي تمر بالدعوة أحيانًا تفرض المزيد من الاهتمام التربوي؛ لأن احتياج الناس إلى الرعاية والتذكير إنما يكون أكبر في الظروف الاستثنائية.. والحركة التي تضعف قدرتها التربوية عن متابعة أفرادها بما يحتاجون من تعهد وتربية؛ ستصاب بنيتها بقدر ضعفها، ولهذا:
يجب أن تكون المناهج التربوية دائمًا موضع دراسة وتعديل بما يتوافق مع الاحتياجات والظروف.
يجب أن لا يتوقف النشاط التربوي بسبب ظرف طارئ، أو لحساب جانب من جوانب العمل.
يجب أن تطال أفراد الحركة المتابعة التربوية بشكل، أو بآخر.
يجب أن يكون ارتباط الفرد بالحركة قائمًا على أساس من ارتباطه بالله وبالإسلام، وإن الحركة والتنظيم إنما هي وسيلة لا غاية.. وهي وسيلة لتحقيق أمر الله، وليست وسيلة لتحقيق مصالح أفرادها: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [110] [سورة الكهف] .
جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلًا يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد؟ فقال عبادة:' ليس له شيء؛ إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه' .
2-عدم وضع الفرد في المكان المناسب:وهذه المشكلة تؤدي باستمرار إلى فشل العمل وخسارة العاملين..ولهذا يجب على الحركة أن:
تحدد طبيعة المرحلة التي تمر بها.
تعرض ما تحتاجه هذه المرحلة من قدرات وطاقات.
تعرف ما يحتاجه كل موقع من مواقع العمل.
تعرف قدرات أفرادها، وميولهم، ومواهبهم حتى تختار لكل فرد ما يناسبه مع قدراته وميوله.
تحدد خطواتها وفقًا للقدرات التي تجمعت عندها.
تتوفر الطاقات للحركة قبل المباشرة بالمرحلة ودخولها.
3-عدم توظيف كافة الأفراد في العمل: حيث يتراكم العمل بيد فئة محدودة، في حين تبقى الفئة الأكبر من غير عمل، ومع الأيام، وتقلب القلوب والعقول، وشعور الفرد بعدم الإنتاج بسبب ضعف ارتباطه العضوي بالحركة؛ تنكفئ في أعماقه البواعث والدوافع الرسالية والجهادية إلى أن يختفي عن المسرح.
4-عدم متابعة الأفراد: فالأفراد كسائر الناس تمر بهم ظروف صعبة، فإن وُجد من يعينهم على مواجهتها ومعالجتها؛ تجاوزوها بسلام، وإن حصل عكس ذلك، فإنهم سيصابون حتمًا بخيبة أمل، ثم بإحباطات نفسية؛ تقذفهم خارج إطار الحركة؛ بل خارج إطار الإسلام..وحتى تتمكن الحركة من متابعة أفرادها؛ يتعين عليها تحقيق التوازن بين التجميع العددي، وبين تهيئة الأجهزة القيادية والبدائل بحيث تبقى الإمكانات القيادية ـ في كل الظروف ـ قادرة على استيعاب القاعدة. إن العلاقة التي يفرضها الإسلام على الجسم الإسلامي تصنع من انصهارها الفكري، والروحي، والجسمي أشبه بالجسد الواحد الذي يصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:'مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى' رواه البخاري ومسلم وأحمد .والمتابعة يمكن أن تقوم في الحركة من جانبين اثنين:
جانب التنظيم نفسه من خلال الأجهزة، وجانب الأخوة من خلال الأفراد.