سامي بن عبد العزيز الماجد 6/9/1423
فيما تعاني الأمة أنواعًا شتى من المآسي وَالنكبات تتنوع الطرائق في مواجهة هذه المحن ولكلًّ وِجهةٌ هو مولَّيها ، والذي يعنينا في هذه الكُليمة فريقٌ وَجَد ملاذه في تتبع الرؤى وَالأحلام وَ تعبيرها بطريقة حالمة -أيضًا- ثم الاستسلام لِخَدَر هذه الأحلام وترقّب تعبيرها.
إنّ شدة المعاناة والضعف، وثقل الهزيمة ، وخور العزائم ، وغلبة اليأس آلام محرقة، تبعث النفوس التي تعانيها على التعلل بالأماني الكواذب والهروب من الواقع المأزوم إلى أطياف الأحلام؛ لتجد فيها سلوىً عن آلامها وهزائمها وما هي إلا أوهامٌ لا تغني من الواقع شيئًا. فما أضغاث الأحلام إلا سراب من الأوهام، يحسبه الظمآن ماءً ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
وهذا الهروب الموهوم من الواقع المأزوم إلى أطياف الأحلام، هو صورة أخرى من صور الهزيمة النفسية ، وشاهد آخر من شواهد غيبة الوعي وسذاجة التفكير، التي إن غطت على العقول، فلا يؤمن عليها حينئذٍ التياثها بدجل الشعوذة ، وأساطير الخرافات ، ونبوءات أهل الكتاب الكاذبة ، ولا تقوم إلا فيمن هان عليه أن يعيش بغير عقل وازع يزعه عن شطط الضلال والظنون، الذي كان يرجع إليه في أكرم مقاصده وأعزها عليه، ومن هان عليه أن يعيش بغير هذا العقل الوازع الحصيف لم يكن ليعز عليه أن يكون محلًا لخديعة الأحلام والمنامات ، وأكاذيب النبوءات .
إن الذي يعيش عالم الأحلام الموهوم ، فيؤثره على واقع الحياة المشهود لجدير أن يقول ما لا يفعل ، وأن يفعل مالا يقتضيه عقل صريح، ولا يقضي به شرع صحيح ؛ لأنه يريد أن يحقق بها أحلامه، ويرضي بها وساوس منامه، وإنْ أًسْخطَ بها الرحمن وأجْلبَ على نفسه وعلى غيره المفاسدَ والفتن، فمنهجه وسلوكه يصبح نهبًا لعواطفه وأحلامه، توجهه إلى العمل بمقتضاها، أو تؤثر في منهجه وعمله إيحاءاتها ودلالتها ؛ فتزج به إلى مخالفة المنهج السَّوِيّ والهدى المحمود، وتعرضه لفتن ومحن لم تكن أصلًا في طريقه لولا اغتراره بتلك المنامات والنبوءات .
وما أكثر هؤلاء في أمتنا اليوم، الذين غرَّتهم الأحلام، فاستجرَّتهم إلى مزالق مهلكة، واجتالتهم عن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنما يريدون أن يعيدوا تجارب السابقين، وأن يعيشوا حاضرًا غير موصول بأي سبب إلى الماضي، فتعيد المأساة نفسها، وتصبح تجارب الآخرين صدًى لتجارب الأولين بالمزالق نفسها، وهكذا يذهب الاتعاظ والاعتبار مع غياب الوعي وتعطيل العقول. وما أشقى الأمة التي لا تحنَّكها التجارب ولا تزعها الحوادث .
وما زلنا نذكر سلفًا ومثلًا قريبًا لهؤلاء اتخذوا الأحلام هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، فأَعْملوها في منهجهم وسيرتهم، فهم يسيرون في ظلها ويتفقدون إيحاءاتها، ودلالاتها، قد اطمأنوا بها، واستناموا إليها، لا يبغون عنها مَصْرِفًا ، فأعقبهم ذلك أن فُتِنوا بها وفَتَنوا، ورأوا أنهم قد ضلوا يوم جعلوا تلك المنامات هاديًا لهم يزاحمون به هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم- .
وما أُتي هؤلاء يوم استهوتهم الأحلام فأردتهم في المهالك إلا من قلة الفقه في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم- وغلبة العاطفة على العقل.
وهذان شاهدان من سيرته - عليه الصلاة والسلام - تمنعان الرؤى مهما بلغ صدقها، ومهما حوت من المبشرات، أن يكون لها سبيلٌ إلى توجيه العمل وتصريفه ، أو سلطان على المنهج تُحِيله عن جادته أو تشترع له جديدًا، أو تصرف رجاله عن السعي في تحقيق ما تقتضيه مقاصد الشرع وتبليغ رسالاته .
إن نبينا - صلى الله عليه وسلم - كان قبل النبوة لا يرى رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح ، وأما بعد النبوة فرؤياه - صلى الله عليه وسلم- وحيٌ يوحى وهو المعصوم - صلوات الله وسلامه عليه - من تلاعب الشيطان وهو - صلوات الله وسلامه عليه - الذي تنام عيناه ولا ينام قلبه ، ومع هذا كله فهذه شواهد من تعامله مع الرؤيا:
أما الشاهد الأول: فإنه لما حشدت قريش رجالها ؛ وخرجت في غزوة أحد لتثأر لقتلاها ببدر: استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ، أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة ؟ وأخبرهم أنه قد رأى رؤيا ، وما رؤياه إلا من الوحي ، فقال: رأيت بقرًا تنحر ورأيت في ذباب سيفي ثَلْمًا، ورأيت أني قد أدخلت يدي في درع حصينة، فتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون، وتأوَّل الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول الدرع بالمدينة .