فهرس الكتاب

الصفحة 21322 من 27345

فكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها ، فإن دخلها المشركون قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت . فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحُّوا عليه في ذلك، وقال بعض الأنصار: واللهِ ما دخلت علينا في الجاهلية، أفتدخل علينا في الإسلام، وأبى أكثرهم إلا الخروج ، فقال عليه السلام: فشأنكم إذن. ثم نهض ، ودخل بيته ولبس لأْمَته وخرج عليهم، فقالوا: أَكْرَهْنا رسولَ الله على الخروج، فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل، فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه .

فنجد - هاهنا - أن رسول الله قد اعتمد المشورة ثباتًا منه على المنهج الذي ارتضاه له ربه ، وترك العمل بإيحاءات رؤياه تلك ودلالاتها فلم تثنه عن الخروج للقتال، أو يُغر بها .

وإنما دفعه للخروج مشورة أصحابه لما استشارهم، ومشايعة منه لرغبتهم في الخروج، وترك الرؤيا تدور مدار الإنذار والتبشير .

إنه الثبات الذي لم تصرفه الرؤى عن التزام المنهج الصحيح والانقياد له . وأين عن هذا الثبات أولئك الذين جعلوا الأحلام والرؤى هاديًا لهم لا يريمونه ، وإن هداهم إلى ما لا تقتضيه مقاصد الشرع ، أو إلى ما يخالف هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وأما الشاهد الآخر: فإنه عليه الصلاة والسلام أُري في المنام وهو بالمدينة أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام ، وأخذ مفتاح الكعبة ، وطافوا واعتمروا وحلق بعضهم وقصّر بعضهم ، فأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ففرحوا بها فرحًا عظيمًا، فهي تلك الرؤيا التي عناها الله بقوله:"لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ..."الآية .

ثم إنه - عليه الصلاة والسلام - خرج بأصحابه عام الحديبية إلى مكة يريد العمرة، وما كانوا يشكون أنهم سيعتمرون عامهم ذلك تصديقًا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فلما وقع - من أمر الصلح مع المشركين بالحديبية - ما وقع، وما اقتضاه ذلك الصلح من أن يرجع المسلمون عامهم ذلك من غير عمرة على أن يعودوا مِنْ قابِل ، وثقل ذلك على المسلمين كثيرًا، وعزَّ عليهم أنه يرجعوا إلى المدينة من غير أن يطوفوا بالبيت الحرام، حتى ذهب عمر يراجع رسول الله في ذلك حتى قال له:"أَوَلسْتَ تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به!! فقال: بلى، أفأخبرتك أن تأتيه العام هذا؟ فقال: لا، فقال: فإنك آتيه ومطوف به".

ونجد في هذا الشاهد -كذلك- أن رؤياه تلك لم تكن لتصرفه عن منهجه الذي ارتضاه لنفسه ، وأراد أن يربي عليه أصحابه وأمته، ومن ذلك حسن النظر في العواقب، وتقدير المصالح واهتبالها إذا سنحت، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم المصلحة في الصلح رضي به وانقاد له غير آبهٍٍِ بشيء، ولم تكن الرؤيا هي همّه، ول اغايةً يسعى لتحقيقها، بل ولم تكن أفعاله خاضعة لدلالتها ومقتضاها. وإنما ترك تأويل رؤياه يأتي تباعًا في الطريق الذي نَهجَه والتزم سلوكه.

وهكذا أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الرؤيا في حدودها ومكانها اللائق بها، فهي عنده مُبشَّرة لا موجهة.

هذا، ورؤياه عليه الصلاة والسلام جزء من الوحي فكيف برؤيا غيره التي ربما اختلطت بأضغاث الأحلام وتحديث الشيطان.

وإذا كان من الخطأ في المنهج اتخاذ الرؤى هاديًا ودليلًا يترسم به المرءُ الطريق ، ويتبصّر به الحق، فإن من الخطأ -كذلك- أن يسارع المرء إلى التصديق بكل ما يحكى من الرؤى أو يغتر بتأويلها. لا سيما في هذا الزمان الذي رقَّ فيه الإيمان، وكثر فيه الكذابون المتفيهقون، وأصبح اشتغال الناس بالرؤى وتأويلها أكثر من اشتغالهم بالعمل الذي يواجهون به حقائق الواقع الأليم.

إننا لمن الموقنين بقوله - صلى الله عليه وسلم -"الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة"متفق عليه.

وبقوله"لم يبق بعدي من النبوة إلاّ المبشرات ، فقالوا: وما المبشرات؟! فقال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له"متفق عليه.

ولكننا نرتاب كثيرًا أن تكون كل المرويات من أحلام الناس اليوم هي من جملة تلك الرؤى الصالحة المبشرة.

فثمة أمور تدفعنا للتريث كثيرًا، وتبطئنا عن المسارعة إلى تصديق كل ما يروى من الأحلام وبما يحكى من تأويلها.

الأمر الأول: أن يكون المرء الذي نسبت إليه تلك الرؤيا كاذبًا ، قد تحلّم بحلم لم يره. وهذا احتمال وارد، والوعيد في ذلك شديد، يقول - صلى الله عليه وسلم -"من تحلّم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل"رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت