ثم إذا فرضنا صحة الرؤيا وأن صاحبها صادق ، فثمة أمر آخر يرد عليها، وهو كون ذلك الحلم من قبيل حديث النفس ، فإن بعض المنامات تتأثر بالهموم الشخصية والحالة النفسية، وقد أثبت الرسول هذا في قوله"الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا من تحزين الشيطان، والرؤيا مما يحدث به الرجل نفسه"أخرجه الترمذي بسند صحيح.
ثم إن سلمنا أن الرؤيا ليست من حديث النفس ، فثمة وارد يمنع أن تستخفنا تأويلات تلك الأحلام فنسارع إلى تصديقها واستظهار الغيب بها.
وهذا الوارد هو احتمال خطأ المُعبَّر ، فليس لزامًا أن يوافق تأويله عين الحقيقة ؛ لأن تأويله اجتهاد يحتمل الخطأ والوهم ،كما يحتمله كل اجتهاد.
وقد أخطأ في تأويل بعض الرؤى صحابة - رسول الله صلى الله عليه وسلم - ، فأولى أن يخطئ غيرهم ويهم.
ومن ذلك أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: إني رأيت رؤيا. ثم قصّها عليه في حديث طويل، فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، لتدعني فأعبرها فأذن له، فعبرها، ثم قال: فأخبرني يا رسول الله، أصبتُ أم أخطأت؟!!
فقال: أصبتَ بعضًا، وأخطأتَ بعضًا"."
وقد وجدنا شيئًا من تأويل المعبرين اليوم. تخالف سننًا ربانيةً لم تخرمها قرون متطاولة، أفيخرمها حلم حالم.
وقد تسامع الناس في هذه الأيام برؤى عبرت بنصر من الله وفتح قريب يقع في فلسطين محدد باليوم والشهر في مدة قريبة جدًا.
وإننا لنوقن أن ذلك ليس على الله بعزيز، فما كان ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض. ولكن أين نحن من سنن الله التي ذكّرنا بها، وأمرنا أن نتدبرها ؟.
أين نحن من قوله تعالى"إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم"؟ وهذه سنة جارية في الخير والشر جميعًا.
وأين نحن عن قوله - عز وجل -"إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"مع قوله"وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"؟.
ولسنا في شك من أن الله سينصر دينه ويعلي كلمته ، ولكن هل نحن - بواقعنا اليوم- أهل لاستحقاق هذا النصر والتمكين ، وهل تحديد يوم النصر ذلك بيوم بعينه هو مما تحتمله تلك الرؤى بصورها ومدلولاتها ؟.
ألا فلنربأ بأنفسنا وعقولنا عن هذا الإسفاف والاستخفاف . والقصدَ القصدَ في الاشتغال بالرؤى والانسياق لتأويل المعبرين، فإنه ليس يجدينا الآن الفزع في المنامات والأحلام، ومحاولة تنزيلها على الواقع.
إنما الذي يجدينا هي تلك الحلول الواقعية العملية التي تأخذ سنن الله الثابتة وتستهدي بنورها، والتوجه إلى الإيجابيات من الأعمال - التي تستفرغ التفكير والجهد - جديرٌ أن يطرد عنا هذا الوهم والانخداع