فهرس الكتاب

الصفحة 7211 من 27345

(الجهر بالدعوة ومخاطبة عموم قريش)

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوجه في دعوته إلى أهم الدوافع التي تدفع أصحاب العقول السليمة إلى الاستجابة لدعوة التوحيد , وذلك بإثارة الاهتمام نحو مستقبل الناس بعد الموت, حيث الحياة الخالدة في الآخرة , وذلك في النعيم المقيم لمن أجاب واهتدى , والعذاب المقيم لمن عصى وغوى .

ومع تصديق الكفار له في كل أخباره الدنيوية لما تواتر عنه من الأمانة والصدق فإن أغلبهم ردَّ دعوته , وكاده بعض عشيرته الأقربين .

ومن الأمثلة التي تبين موقفه هذا وموقف قومه منه ما أخرجه الإمام البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد إلى الجبل فنادى: ياصباحاه فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبِّحكم أو ممسيِّكم أكنتم تصدقوني ؟ قالوا: نعم , قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد , فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا تبًّا لك , فأنزل الله عز وجل: (تبت يدا أبي لهبٍ وتب.ما أغنى عنه ماله وما كسبَ.سيصلى نارًا ذات لهب) [المسد:1-3] إلى آخرها.

(صحيح البخاري كتاب التفسير رقم 4971 ,( الفتح 8/737 ) )

وكذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية

(وأنذر عشيرتك الأقربين) (سورة الشعراء , آية(214) )دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا فَعَمَّ وخص فقال:"يابني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار , يابني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار , يابني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار , يافاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا, غير أن لكم رحمًا سأبلها بِبَلالها". (صحيح مسلم , كتاب الإيمان رقم 204 , ص 192 .)

فهاتان الروايتان مع روايات أخرى تبين لنا الموقف الصعب الذي كان يواجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه , وقد أمره الله تعالى بدعوة عشيرته الأقربين , وإن في الأمر بالبدء بدعوة الأقربين حكَمًا عظيمة , منها أن بقاء الظلام المحيط بالنور من قرب يحول دون رؤية ذلك النور بوضوح فكان تبديده عاملًا مهمَّا في انتشار ذلك النور , فالبدء بدعوة الأقربين لأنهم محل حكم الناس على الداعية فإذا لم ينجح مع أقاربه كان لذلك أثر في الصد عن دعوته , هذا إضافة إلى أن الدعوة برٌّ وإحسان وأحق الناس ببر الإنسان أقاربه .

ولقد قَدَّم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدمة تلزمهم بالإذعان لو كانوا متجردين من الهوى والتقليد , وذلك أنه صور نفسه نذيرًا لقومه ينذرهم من جيش قد اقترب منهم"أرأيتم لو حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا: نعم"فهذا يعني أنهم على استعداد لقبول إنذاره فيما يتعلق بدنياهم , فلما اطمأن إلى ذلك ذكر لهم ماجمعهم من أجله , وهو إنذارهم مما هو أجل خطرًا وأعظم عاقبة فقال:"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"يعني فكما صدقتموني في وقايتكم من مكروه الدنيا فصدقوني في وقايتكم من مكروه الآخرة الذي هو أشد وأبقى .

وفي هذا دلالة على أن من أساليب الدعوة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشهاد بالأمر المعلوم الذي تمت القناعة به على الأمر الجديد الذي يريد الداعية أن يدعو الناس إليه .

فأهل مكة المكرمة آنذاك كانوا يصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يقوله من أخبار الدنيا, ولذلك لقبوه بالأمين فاعتمد هذه القناعة الثابتة عندهم لدعوتهم إلى الإيمان بالآخرة .

كما أن في هذا دلالة على أنه مما يجب أن يتزود به الداعية الرصيد الأخلاقي الكبير الذي يجبر خصومه على الاعتراف بفضله في هذا المجال ليتوصل بذلك إلى نشر دعوته السامية .

ولكنّ أفراد عشيرته صلى الله عليه وسلم هؤلاء صمتوا فلم يجيبوا ولم يستجيبوا لدعوته , بل إن عمه أبا لهب لم يكتف بذلك , وإنما ردّ عليه بهذا الرد القاسي السيئ .

ومع هذه المعاملة القاسية فإن النبي صلى الله عليه وسلم ظل صامدًا في دعوته غير عابئ بتحدي قومه ولابصدودهم .

وإذا تأملنا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنه قد بدأ دعوته هذه بتذكير قومه بالنار , وحثهم على استنقاذ أنفسهم منها , وهذا دليل على أهمية هذا الجانب في الدعوة .

وقد جاءت آيات الدعوة متضمنة التحذير من النار , وأحيانًا تأتي بالجمع بين الإنذار من النار والتبشير بالجنة .

هذا وإن قيام الدعاة إلى الله تعالى بالتركيز على شرح محاسن الإسلام أمر حسن , ولكن يجب أن يكون المقام الأول في الدعوة الاهتمام بإيقاظ الناس , واجتذابهم عن طريق التبشير والإنذار.وقد بين الله سبحانه أن هذه مهمة الرسل عليهم السلام: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيما) ( سورة النساء , آية(165 ) ) ، فمن اهتم بهذا الجانب من الدعوة كان من سالكي منهج الرسل عليهم السلام وحَرِيٌّ به أن يستجاب له إذا خلصت نيته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت