فهرس الكتاب

الصفحة 7212 من 27345

إنه لاشك أن الإسلام يصل بالفرد وبالمجتمع الإنساني إلى أعلى المستويات في جميع المجالات: الأخلاقية والتربوية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها مما تقوم عليه الحياة الكاملة لأن الإسلام دين الله تعالى , وهو سبحانه أعلم بما يصلح عباده في كل أمور حياتهم , بخلاف المناهج البشرية التي مهما علت لايمكن أن توضع في مجال موازنة مع تشريع الله سبحانه خالق البشر .

وإنه من المفيد جدًّا في مجال الدعوة أن يقوم الدعاة ببيان عظمة الإسلام في كل هذه المجالات, من ناحية أثرها في إصلاح الفرد والمجتمع في هذه الحياة الدنيا , ولكن يجب أن لايكون هذا هو الأساس الذي تقوم عليه الدعوة بحيث يُغفل الدعاة مجال الدعوة بالتبشير بالجنة والتحذير من النار , أو يقصرون في ذلك , وذلك أنه بإمكان الكفار أن يدَّعوا بأن لديهم مناهج تقوم بإصلاح الفرد والمجتمع في المجالات المذكورة , وأن يضربوا على ذلك أمثلة واقعية من مجتمعهم المتقدم نسبيًّا في هذه المجالات أو بعضها - وهم لايدركون عظمة الإسلام في هذه المجالات إلا بعد التعمق في دراسته , وقليلًا ما يتم ذلك - ولكن لايستطيعون أن يدَّعوا بأن مناهجهم تلك توصل مطبقيها إلى دخول الجنة والنجاة من النار , فتبقى مناهجهم بذلك مناهج دنيوية , ويبقى في شعور كل مفكر عاقل فراغ في التفكير فيما سيؤول إليه بعد الموت , ولن يجد في كل الحضارات المادية والأفكار البشرية إجابة على سؤاله هذا , وإنما يجده في الدين الإسلامي وحده .

إن في اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم المتكرر طوال حياته الدعوية بالتبشير بالجنة والتحذير من النار دلالة على أهمية غرس الوازع الديني في النفوس حتى يصل المسلم إلى درجة عالية من التضحية بالدنيا من أجل الآخرة , فأما حينما يكون الإعجاب بالإسلام والانجذاب إليه لكونه يحقق لمعتنقيه مناهج عالية في مجالات الحياة الدنيا فقط فإنه لاينتظر من هؤلاء أن يضحوا بحياتهم ومصالحهم الدنيوية من أجل الإسلام .

وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"فإني لا أملك لكم من الله شيئًا"دلالة واضحة على أنه لاينجي الإنسان يوم القيامة إلا إيمانه وعمله الصالح , وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لاينقذ من النار حتى أقرب أقاربه, فإن ذلك لايكون لغيره من البشر مهما بلغوا من الولاية والصلاح .

وقوله صلى الله عليه وسلم:"غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها"يعني إذا كنت لا أستطيع إنقاذكم من النار إلا بدخولكم في الإسلام فإن ذلك لايمنعني من أن أصلكم في الدنيا لقرابتكم مني .

وهذا الاستثناء له أثره الكبير في إبقاء حبل الوصل مع عشيرته , لأنهم - وهم كفار - لايهتمون إلاَّ بالحياة الدنيا , وقد أعلن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لن يتغير شيء في حياته عما كان عليه من صلة رحمه , فلعل بقاء هذا الخيط الذي يعرفونه ويقدرونه يكون سببًا في إيمانهم بما أنكروه من دعوته ولم يقدروه حق قدره .

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أبقى على صلته مع أقاربه وهم كفار , فمن باب أولى لعموم المسلمين وخاصة للدعاة أن يبقوا على صلتهم بأقاربهم المسلمين وإن أنكروا منهم بعض السلوك أو جابهوهم بشيء من النفور والتحدي , من أجل أن تكون هذه الصلة سببًا بعد ذلك في عودتهم إلى الالتزام بالدين واحترام دعاته المخلصين .

وهذا لايتعارض مع المنهج التربوي الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملة بعض المذنبين , كما حدث مع الثلاثة المتخلفين يوم تبوك حيث كان الهجر شاملًا حتى مع أقاربهم .. لايتعارض مع ذلك لأن المقصود في الأمرين واحد وهو الدعوة .

فالإبقاء على صلة الرحم مع من وقعت منهم المخالفات الشرعية يقصد به دعوتهم إلى الهداية والاستقامة , وكذلك الهجر التربوي حينما يكون هو العلاج الناجح في تزكية النفوس وعلاجها من أدوائها فإن المقصود به دعوة أولئك المقصرين إلى الاستقامة على الصراط المستقيم , وكلا المنهجين الدعويين داخلان في الدعوة إلى سبيل الله تعالى بالحكمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت