أ.د/محمد أديب الصالح
رئيس تحرير مجلة حضارة الإسلام
هو أبو يعقوب إسحاق بن محمد من رجال القرن الرابع للهجرة ، أقام بالحرم سنين كثيرة ، ومات مجاورًا فيه ، كان من علماء هذه الأمة وصلحائها ، صحب الجنيد وعمرو بن عثمان المكي وأبا يعقوب السنوسي وغيرهم من المشايخ الذين ازدان سلوكهم بالعلم والعمل ، توفي رحمه الله بمكة مجاورًا سنة ثلاثين وثلاثمائة .
لا يقع الباحث في ترجمة أبي يعقوب على كثير من الكلام المنقول عنه ، ولكن القليل الذي نقل وتداوله أهل المعرفة والتقوى فيه ما فيه من الخير، وينبئ بكثير من الوضوح والإشراق عن قلب نقي ونفس مشرقة بالإيمان واليقين .
الصدق
استمع إليه يعرف الصدق الذي يرقى بصاحبه إذا تحراه واتصف به ، إلى مقام الصديقين عند الله عز وجل حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
"ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا" (1)
قال رحمه الله في شأن هذه الخلة الكريمة العالية:
(الصدق موافقة الحق في السر والعلانية ، وحقيقة الصدق: القول بالحق في مواطن التهلكة) .
لم يزل فقيرًا .. محرومًا
ويسوق الحديث إلى أولئك الذين غرهم بالله الغرور، فاطمأنوا إلى الدنيا ، وجانبتهم حقيقة التوحيد فقصدوا بحاجتهم الخلق واستعانوا على أمرهم بغير الله .. يسوق الحديث إلى أولئك وأشباههم فيقول:
(من كان شبعه بالطعام لم يزل جائعًا ، ومن كان غناه بالمال، لم يزل فقيرًا ، ومن قصد بحاجته الخلق لم يزل محرومًا ، ومن استعان على أمره بغير الله، لم يزل مخذولًا) .
أرأيت كيف أشار إلى اغترار أهل الدنيا بالشبع والغنى ، وإن فقر النفس هو الفقر الحقيقي ، وإن غنى النفس هو الغنى الحقيقي .. والمؤمن الحق هو الذي لا تشغله النعمة عن المنعم ، ولا العطاء عن المعطي ، والمطلوب منه أن يكون دائمًا من أهل الآخرة أولئك الذين يتجاوزون بنظراتهم وسلوكهم هذه الفانية وما فيها من الزخرف والمتاع إلى الباقية التي قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في شأنها:
وللآخرة خير لك من الأولى...
[قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا] (2) .
أما التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة: فمن ثمراته أن لا يقصد بحاجته إلا الله ، وأن لا يستعين على أمره بغير الله . أوليس ذلك من هدي النبوة في هذا الباب الواسع من أبواب العقيدة؟
"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"
قد يقصد الخلق بحاجته ويطعمونه ما أراد ولكنه في نظر أبي يعقوب لم يزل محرومًا ، لأن الحرمان قد بدأ منذ توجه إلى المخلوق الضعيف بحاجته .. وقد يستعين على أمره بغير الله فيجد بعض المعونة من الخلق ، ولكنه في نظر أبي يعقوب: لم يزل مخذولًا ، لما أن الخذلان قد بدأ منذ توجه إلى المخلوق مستعينًا به على أمره .. وحقيقة التوحيد روح وريحان يجد المؤمن عبيره في قول الهادي المهدي صلوات الله وسلامه عليه:
"إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله".
وفي قول أبي يعقوب عن الأول (لم يزل محرومًا) وعن الثاني (لم يزل مخذولًا) وقام بالمقصود أي وفاء ، فهو على الحقيقة محروم وما يزال مهما دلت الظواهر على غير ذلك ، والآخر في الحقيقة مخذول مهما دلت الظواهر على غير ذلك ، حتى يعود الأول إلى أن يقصد بحاجته رب الأرباب الذي لا تنفد خزائنه ، ويستأنف الآخر طريقه فيستعين على أمره بالعزيز القاهر فوق عباده الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ألا ليت لأولئك الذين يستخفهم شياطين الأنس والجن فيخلعون عذار الحياء ، وينحرفون عن الجادة طلبًا لما في أيدي الظلمة أعداء الله والحق .. ليت لهم سمعًا فيسمعوا هذا الذي يقوله واحد وجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض ... وليت لهم قلوبًا تفقه أن هذا الذي هم فيه ، خبال ووهم ، وأن الحطام الذي يبعث بعقولهم عبث الوليد بملهاته ، لا يغنيهم من الله شيئًا ، وأن حلاوة اليوم ستنقلب علقمًا وزقومًا يوم القيامة .
الدنيا .. الآخرة .. الناس
وهذه صورة واضحة الملامح ، معبرة عن المقصود أيما تعبير، تلك هي صورة الدنيا والآخرة والناس . قال أجزل الله مثوبته:
(الدنيا بحر، والآخرة ساحل ، والمركب التقوى ، والناس سفر) .
والتقوى هي مركب الإنسان إلى الآخرة بنعيمها وعطاء الله فيها ، وما يجزل من الإحسان لعباده الصالحين ، وما يعفو عن السيئات لمن يعترفون بذنوبهم ، ويتوبون توبة نصوحًا إليه .. إن هؤلاء المسافرين إذا أرادوا الوصول إلى ساحل الأمن والطمأنينة ، فما عليهم إلا أن يمتطوا هذا المركب الذي ارتضاه الله لعباده خير مركب وخير زاد .. والكيّس الكيّس من فعل ذلك فكان من أولئك الذين هم أحق بالتقوى وأهلها وحظي بفضل الله الذي هو أهل التقوى وأهل المغفرة .
والجاهل الجاهل من جنح عن الطريق السوي ، وسلك سبيل غير المتقين .