فهرس الكتاب

الصفحة 4254 من 27345

بقلم: الأستاذ محمد خير رمضان يوسف

إن أهم ما يتميز به رجل الإعلام الإسلامي هو مسؤوليته عما يقدمه ، ليس أمام السلطات في الدنيا فقط ، فلربما افتعل أفانين للتخلص منها ، أو التجأ إلى من يحميه خارج دائرة الحكومة ؛ لكن الخاصية الأساسية فيه هي شعوره بأنه مسؤول أمام الله تعالى يوم القيامة فيما يقدمه من معلومات ونقد وتحليلات، ويعلم أن الله مطلع على ضميره وخلجات نفسه، وسيحاسبه على إفساده وخيانته أشد الحساب .

إن الذي يريد منه الإسلام هو الوازع الديني ، وخشية خالقه ، والخوف منه عز وجل. قال تعالى: ?يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَاعَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَه أَمَدًا بَعِيْدًا? (1) .

ويتمثل الهدف من دراسة هذا الفصل في بيان مصدر الشعور بالمسؤولية ، أو الدافع الغيبي الذي يدفع رجل الإعلام لتتبع المنهج الإسلامي ، وليس الهدف تعداد المسؤوليات المنوطة به !.

فماهي الأساسيات التي تحدد منهج هذه المسؤولية الإعلامية؟ وماهي الأمور التي يجب على الإعلامي أن يلتزم بها في داخله وعلى الساحة الإعلامية ليؤدي رسالته من واقع مسؤوليته الدينية؟

سيتوضح لنا كل هذا بإذن الله من خلال مايلي:

أولًا: الإيمان بالغيب:

وصف الله تعالى المتقين في أول سورة البقرة بقوله: ?اَلَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيْبِ ويُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُوْنَ. وَالَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِل مِنْ قَبْلُ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوْقِنُوْنَ? (2) .

يقول سيد قطب رحمه الله: الإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لايدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيّز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس. أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي ، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود ، وفي إحساسه بالكون وماوراء الكون من قدرة وتدبير . كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض ، فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وتبصيرته ؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه ، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل مايدركه وعيه في عمره القصير المحدود، وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده .. حقيقة الذات الإِلهية التي لاتدركها الأبصار ولاتحيط بها العقول .

وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق والانشغال بما لم يُخْلَق له ، وما لم توهب القدرة للإحاطة به ، ومالايجدي شيئًا أن تنفق فيه . إن الطاقة الفكرية التي وهبها الإنسان ، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض ، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة ، تنظر فيها ، وتتعمقها وتتقصاها ، وتعمل وتنتج ، وتنمي هذه الحياة وتجملها ، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية التي تتصل مباشرة بالوجود كله وخالق الوجود ، وعلى أن تدع للمجهول حصته في الغيب الذي لاتحيط به العقول ...

ثم يقول:

لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة . ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان ، كجماعة الماديين في كل زمان ، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقري .. إلى عالم البهيمة الذي لاوجود فيه لغير المحسوس ! ويسمون هذا"تقدمية"وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها ، فجعل صفتهم المميزة صفة:"اَلَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِالْغَيْبِ"والحمد لله على نعمائه ، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين (3) .

والغيب يتناول كل ما قاله الله تعالى وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم مما لايدركه الحس . وأركان الإيمان الأساسية كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر..

ثانيًا: الجزاء في الإسلام:

نطاق الجزاء في الإسلام واسع وشامل شمول الإسلام لجميع شؤون الحياة ، ومن ثم فأجزية الإسلام تتعلق بأمور العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات . فكل مخالفة لهذه الأمور لها جزاؤها في الآخرة ، وقد يكون لها جزاء في الدنيا أيضًا .

والجزاء في الدنيا لايمنع الجزاء في الآخرة عن المخالف العاصي إلا إذا اقترنت معصيته بالتوبة النصوح . والتوبة النصوح تقوم على الندم على ما اقترفه الإنسان ، وعلى العزم الأكيد على عدم العودة إلى هذه المخالفة ، وعلى التحلل من حقوق الغير إذا كانت معصية تتعلق بهذه الحقوق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت