فهرس الكتاب

الصفحة 4255 من 27345

وقد ترتب على هذا الجزاء الأخروي خضوع المسلم لأحكام الشريعة خضوعًا اختياريًا في السر والعلن خوفًا من عقاب الله ، وحتى لو استطاعت الإفلات من عقاب الدنيا ، لأن العقاب الأخروي ينتظره ولا يستطيع الإفلات منه ؛ ولهذا إذا ارتكب المسلم جريمة أو معصية في غفلة من إيمانه طلب إقامة العقوبة عليه بمحض اختياره . فهذا ماعزٌ اعترف أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بجريمة الزنى وطلب إقامة الحدّ"العقوبة"عليه . وهكذا تنزجر النفوس عن مخالفة القانون الإسلامي ، إما بدافع الاحترام له والحياء من الله تعالى ، وإما بدافع الخوف من العقاب الآجل الذي ينتظر المخالفين .

وفي هذا وذاك أعظم ضمان لزجر النفوس عن المخالفة والعصيان (4) .

ثالثًا: الإيمان باليوم الآخر (5) :

ليست حياة الإنسان هذه إلا مقدمة لحياته الآخرة ، فهي حياة طارئة مؤقتة وتلك حياة خالدة سرمدية . وهذه ناقصة وتلك كاملة. وفي ذلك اليوم سيوزن الخير والشر ، والبر والأثم ، والفضيلة والرذيلة ، والإيمان والكفر، والأخلاق والملكات . وستقاس فيه النيات والإِرادات والعواطف والهواجس والأحاسيس وسائر أفعال القلوب . لايحاسب فيه الإنسان على وزن الخبز الذي أطعمه أحدًا من الفقراء والمساكين، ولاعلى عدد الدراهم التي أعطاها أحدًا من السائلين والمحرومين ، وإنما يحاسب فيه على النية التي حملته على هذا الكرم والسخاء ، لأن القانون فيه لايكون ماديًا ، وإنما يكون معنويًا . وفي ذلك يقول جل شأنه:

?وَنَضَعُ الْمَوَازِيْنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَّإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفى بِنَا حَاسِبِيْنَ? (6) .

وفي ذلك اليوم ستحدث للأفعال نتائجها الحقيقية المتفقة مع العقل والعدل ، ولاتجري فيه القوانين المادية ولا الأسباب المادية كما هي تجري اليوم في نظامنا الحاضر. فمثلًا: المال والجاه والحسب والنسب والكياسة والفطانة وسلاطة اللسان وكثرة الوسائل المادية وقوة الحلفاء والأصدقاء والأقرباء وسعيهم وشفاعتهم: كل هذه من الأسباب التي تنقذ الإنسان في نظامنا الحاضر من نتائج كثير من أقواله وأفعاله ؛ ولكنها ستفقد تأثراتها في نظام الحياة الآخرة ، فلا يترتب فيه على كل فعل من أفعال الإنسان ولاعلى كل قول من أقواله إلا النتيجة التي يجب أن تترتب عليه على مقتضي من العقل والعدل والحق والصواب:

?وَاتَّقُوْا يَوْمًا لاَّتَجْزِيْ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَّلاَيُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَّلاَيُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَّلاَهُمْ يُنْصَرُوْنَ? (7) .

?وَلَقَدْ جِئْتِمُوْنَا فُرَاداى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَّتَرَكْتُمْ مَّاخَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُوْرِكُمْ وَمَانَراى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيْكُمْ شُرَكَآءَ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَاكُنْتُمْ تَزْعُمُوْنَ? (8) .

رابعًا: حاجة الإنسان إلى عقيدة اليوم الآخر:

معنى إيمان المرء بهذه العقيدة أن لايرى نفسه في هذه الدنيا كائنًا حرًا طليقًا ؛ ولكن كائنًا ذا تبعة ومسؤولية ، ولايؤدي جملة أعماله وتصرفاته إلا على شعور تام من أن عليه تبعة كل حركة من حركاته ، وأنه مسؤول عنها في حياته المقبلة ، وأن سعادته أو شقاءه في مستقبله لايتوقف إلا على أعماله الصالحة أو السيئة في حاضره . ومعنى عدم إيمانه بها أن يرى نفسه كائنًا حرًا طليقًا لاتبعه عليه ولامسؤولية ، ولايؤدي جملة أعماله ولايرتب جملة تصرفاته في هذه الحياة إلا على الظن بأنه ليس مسؤولًا عنها ، وأنه لاتترتب عليها نتيجة حسنة أو سيئة في حياة أخرى بعد هذه الحياة .

ومن التأثير اللازم لخلو ذهن الإنسان من عقيدة اليوم الآخر أو عدم إيمانه بها أنه لايطمح ببصره إلا إلى النتائج المترتبة على أعماله في هذه الدنيا ولايحكم على شيء بالمنفعة أو المضرة إلا باعتبار هذه النتائج فحسب . إنه يحترز عن أكل السم ولايضع يده في النار لماذا ؟ لأنه يعلم أنه لابد أن يذوق وبال هذين الفعلين ونتائجهما السيئة في حياته هذه . وأما الظلم والكذب والخيانة والغدر والغيبة والزنا وما إليها من الأفعال التي لاتظهر نتائجها السيئة في هذه الحياة كاملة فإنما يحترز عنها على قدر مايخاف من ظهور نتائجها السيئة في حياته هذه ، ولايتردد في اقترافها حينما لايرى نتيجة سيئة تترتب عليها أو يرجو أن ينال بها منفعة مادية في هذه الدنيا نفسها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت