الكاتب: الشيخ د.علي بن عمر بادحدح
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبفضله تضاعف الحسنات، وبمنته تتنزل الرحمات، وبعفوه تمحى السيئات، له الحمد سبحانه وتعالى ملئ الأرض والسماوات، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، حمدا يوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه ويقينا سخطه وعذابه، ونلقى به أجرا ويمحو به عنا وزرًا، ويجعله لنا عنده ذخرًا .
والصلاة والسلام التامان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمدا الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين ،،،، أما بعد ..
سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته، ونسأل الله جل وعلا أن يفتح علينا فتوح العارفين، وأن يفتح علينا فتحا تطمئن به قلوبنا وتسكن به نفوسنا، وترشد عقولنا، وتحسن به أقوالنا، وتصلح به أعمالنا، وتخلص به نياتنا، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه .
مفاتيح الفاتحة ...عبر محاضرات متتالية في تلك المنازل والمدارك العظيمة ، وكلها مستمدة من الفاتحة وراجعة إليها ومستفادة منها، ولعلنا في هذا المقام اليسير في وقته نقدم بأنه لا يمكن أن يوفى مثل هذا الموضوع حقه، وحسبنا أن نقف وقفة أولى مع عظمة هذه الفاتحة لنرى أنها عظمة بلا حدود، ومن ثم يتكشف لنا أن الوقوف عند كل ما تستدعيه من المعاني والكشف عما فيها من أسرار فضلا عن التحقق بما فيها من الواجبات والإرشادات أمر ليس بالسهل اليسير إلا على من يسره الله له، وليس بما يمكن أن يسجى فيه القول أو يرسل فيما دون أن يكون أفضل وأكمل وأعظم في استناده إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام أهل العلم.
فضل سورة الفاتحة
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد المعلى رضي الله عنه: أنه كان يصلي في المسجد فناده النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجب، ثم أتم صلاته وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما سمعت ندائي، قال: بلى يا رسول الله ولكني كنت أصلي، قال: ألم تسمع قول الله جل وعلا: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم } .
ثم قال له: ( لأعلمنك - أو لأعلمنّك - أعظم سورة من القرآن قبل أن تخرج من المسجد ) ، قال: فأخذ بيدي فجعلت أتباطؤ فقلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن فقال صلى الله عليه وسلم: ( نعم ، {الحمد لله رب العالمين} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) .
فهذا نص ظاهر واضح في عظمة هذه السورة، وأنها أعظم ما في القرآن، وكلنا يعلم أن القرآن هو أعظم كلام لأنه كلام الرحمن سبحانه وتعالى، وهذا مما قال العلماء:"إنه يجوز فيه التفاضل بين بعض القرآن وبعضه الآخر كما ورد في مثل هذا الحديث وغيره".
وروى الترمذي كذلك من حديث أُبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل) قال الترمذي: حسن غريب، ورواه النسائي كذلك.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أُبيّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي: ( أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ؟! ) ، قلت: بلى يا رسول الله، فسألته قلت: ما هي، قال: ( ما تقرأ في صلاتك ؟! ) ، فقلت: {الحمد لله رب العالمين} قال: قرأتها حتى ختمتها، فقال: ( هي هذه ) .
لا شك أننا نقف متحيرين مبهورين أمام عظمة كلام الله رب العالمين وعظمة هذه الفاتحة المخصوصة بهذا التعظيم في كل ما أنزل الله عز وجل في كتبه العظيمة على رسله وأنبياءه عليهم صلوات الله وسلامه، وهذا القول في عمومه، فإن جئنا إلى بعض التفاصيل وجدنا أن للفاتحة كذلك من الفضائل والخصائص ما هو جدير بالعناية والاهتمام وما هو ملفت للعظمة المتناهية لهذه السورة.
فقد روى البخاري أيضا من حديث أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم - أي لديغ لدغته حيه - وإن نفرنا غيّب - أي الناس من أهلنا غائبون - فهل منكم من راق، قال: فقام رجل لا نأبه برقيته - يعني ليس معروفا بأنه راق وكذا - قال: فرقاه فبرأ، فأمر - أي هذا السيد من القوم - بثلاثين شاة وسقاه لبنا - طبعا لما جاء انتبه الصحابة، الرجل ذهب ورقى وشفي المريض وجاء بالشياه - فقالوا: أكنت تحسن رقية - يعني عندك خبرة بالرقية وكذا - قال: لا إلا بأم الكتاب .. ما عندي غير الفاتحة، قرأها فبرئ المريض.