فهرس الكتاب

الصفحة 23756 من 27345

ولذا من أعظم الرقى الرقى بالفاتحة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عندما علم الخبر واستأذنه الصحابة هل يجوز لهم أن يأخذوا ذلك؟ قال: ( ما كان يدريه أنها رقية ) فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم أنها رقية وأن الرجل لم يكن يدري لكنه وافق ما كان فيه شفاء في هذه السورة على وجه الخصوص والقرآن كله شفاء، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (اقسموا واضربوا لي منها بسهم ) .

وروى مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل إذ سمع نقضًا من فوقه، فرفع بصره إلى السماء فقال - أي جبريل -: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك ما نزل من السماء قط، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته .

أي ما فيهما من الدعاء إذا قرأته آتاك الله مسألتك وأجاب دعاءك، ونحن نعرف ختام الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم} وختام سورة البقرة فيها دعاء بالرحمة والنصر كما هو معلوم .

وكذلك روى مسلم الحديث المشهور من رواية أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال أنه قال: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال عبدي: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي، فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم} - أي إلى آخر السورة - قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) .

هل نرى كم هي العظمة في هذه السورة التي نكررها كل يوم على أقل تقدير سبع عشرة مرة، بعدد ركعات صلاة الفريضة، وهي في حقيقة الأمر تقرأ أكثر من ذلك، في الصلوات والسنن والتطوعات الكثيرة، وتقرأ كذلك في الأذكار .

ومما ذكره البزار في المناقب العلية في مناقب ابن تيمية وهو من تلاميذه قال:

"كان يبقى بعد الفجر إلى ما بعد شروق الشمس، وسئل في مرة من المرات ما يقول في هذا الوقت، فأخبر أنه يقرأ الفاتحة ويكررها".

وما من شك أن الفاتحة بتعظيمها وبما ورد من فضلها وبما سنذكر الآن كذلك من أسماءها وخصائصها، سورة عظيمة ينبغي لنا أن نحرص على تلاوتها، واليوم لنا وقفات يسيرة مع وجوه عظمتها في مفاتيحها التي تفتح لنا أمورا عظيمة وتلج بنا إلى أعظم أسس ديننا وأعظم ما تصلح به حياتنا وأعظم ما تكون به نجاتنا يوم القيامة بإذن الله سبحانه وتعالى .

ذكر أهل العلم أسماء كثيرة لسورة الفاتحة، وكثرة الأسماء كما يقولون دليل على شرف المسمى، من هنا كان للنبي صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة وقال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: ( أنا النبي الخاتم والعاقب والحاشر الذي يحشر الناس على عقبه ..) إلى آخر ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام .

وهذه السورة فيها أسماء كثيرة، منها أنها أطلقت وأطلق عليها اسم الصلاة، لأنه ورد فيها هذا الحديث الذي ذكرناه ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ) .

ولأنه قد ورد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب أو بفاتحة الكتاب ) .

وكما قال عليه الصلاة والسلام: ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ) ؛ أي ناقصة ، فكأن قوام الصلاة تلاوة الفاتحة وهي ركن من الأركان التي لا تصح الصلاة إلا به .

ومن الأسماء كذلك أم الكتاب، والأم هو المقصد والمقصود بأم الكتاب: أي أن الفاتحة جمعت مقاصد القرآن كله في آياتها، وهذا هو جوهر حديثنا الذي أفاض فيه الإمام ابن القيم رحمه الله في مقدمة مدارج السالكين الذي شرح به منازل السائرين وبين أن المنازل التي يرجوها الناس ويحرصون عليها سواء من منزلة التوبة أو الخوف أو الرجاء أو الاعتصام أو الرحمة أو الذكر أو غيرها، كلها مندرجة ومنبثقة ومتضمنة في الفاتحة، وهي مشتملة عليها كلها .

ومنها أيضا أم القرآن، وهذا كذلك مما ذكره بعض أهل العلم .

ومنها أنها سميت المثاني {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني}

وهنا قولان لأهل التفسير: أن المراد بها الفاتحة كما مر بنا في حديث الترمذي الذي أوردناه آنفا، و {سبعا} : لأنها سبع آيات بإجماع، على خلاف على جعل البسملة آية، أو جعل الآية الأخيرة مقسومة إلى آيتين.

وبعض أهل العلم، قال:"المقصود بها السبع الطوال".

أي التي في أول القرآن، لكن هذا فيه نص كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما لم سميت المثاني؟

قال: لأنها تثنى في كل ركعة، أي تكرر، وإما لأنها اشتملت على الثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أعظم ثناء ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى، وقيل كذلك: لأنها استثنيت لهذه الأمة ولم تنزل على أمة قبلها مثلها كما ورد في الأحاديث التي أشرنا إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت