فهرس الكتاب

الصفحة 10049 من 27345

أ. د. عماد الدين خليل 28/4/1426

نعم .. وإن في القرآن لعشرات من الصور والعروض (الكاريكاتيرية) يرسمها كتاب الله على طريقته الفنية المعجزة، بكلمات قلائل لا تعدو أصابع اليد الواحدة.. كلمات قلائل ولكنها تمنحنا بضرباتها المركزة، المرسومة، النقائض الأساسية في الموقف البشري، فتجسدها لنا كما لو كانت رسمًا أو نحتًا!!

فلنعاين بعضًا من هذه الصور ..

يقول فرعون لأتباعه (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (1) فكأن أنظار الناس جميعًا، ممن ابتلوا بحكم فرعون وألوهيته المزيفة، لا يسمح لها بالعمل إلا بعد أن تستحصل جواز مرور إلى العالم في عيني فرعون نفسه.. ما يراه تراه .. أو بعبارة أوضح: ما يريد لها أن تراه.. تراه.. وما لا يريد.. لا تراه .. (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى) !!

فإذا ما تذكرنا أن الرؤية هاهنا لا يُعنى بها المشاهدة الخارجية للأشياء.. أي النظر فحسب، ولكنها تعني ما يعقب الرؤية من اتخاذ موقف شخصي إزاء الأشياء والأحداث، تمليه العاطفة أو الهوى أو المصلحة أو الوجدان أو الظن أو التخمين.. أدركنا أن فرعون يريد أن يقول للناس: إن عليكم ألاّ تفكروا وتتخذوا مواقفكم، وتختاروا، إلا من خلالي .. من خلال ما أفكر به وما أتخذه وما أختاره.. وبعبارة أخرى: إن عليكم أن تجمدوا فكركم، وأن تكفّوا عن اتخاذ المواقف، وأن تتوقفوا حالًا عن الاختيار.. لأنني.. أنا..فرعون.. ربكم الأعلى .. أنا الذي سأفكر لكم، وأرسم لكم المواقف، وأنا الذي سأختار لكم (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) .

وسواء أكان فرعون مقتنعًا بصواب ما يدعو إليه، ويرغمهم عليه، أم غير مقتنع، فالأمر سواء .. والمهم أنّ عليهم ألاّ يروا ويفكروا ويختاروا إلا من خلاله.. وبه..

أثمة أكثر وضوحًا في خطوط الصورة، لو رُسمت بالألوان، أو نحتت على المعادن والصخور، من هذه الكلمات؟ إنها تجعلنا نحزن على ما مُني به أتباع فرعون، وكل فرعون من عبودية مطلقة وإذلال كامل، تُمسخ فيه إنسانية الإنسان، ويُطمس على عقله وإرادته ووجدانه، ولا يتبقّى منه إلا أجهزة حسية، من بصر وسمع ولمس، يستخدمها الطغيان، أدوات فحسب لتمرير رؤيته.. وتنفيذها!!

وتجعلنا نضحك، في الوقت نفسه، والسخرية هي بداية الرفض ونهايته أيضًا، من الصيغة التي يريد أن يتحقق بها الدكتاتور.. في كل زمان ومكان، كما يرسمها لنا الكاريكاتير القرآني:

تقف أمة بكاملها، وقد استأصل أبناؤها ـ بطريقة ما ـ عقولهم وإرادتهم ورؤيتهم الخاصة، وطمسوا على معالم شخصيتهم.. تقف طوابير، بصمت مطبق، وكأن على رؤوسها الطير.. وواحدًا إثر آخر، يتقدم إلى سدة فرعون.. ينحني انحناءة كاملة، ثم يتلقى الأمر بأن يفعل كذا، ولا يفعل كذا .. تنفيذًا حرفيًا لأمر الطاغية.. ينسحب، بعد انحناءة أخرى، ويذهب إلى مهمته..

يتقدم الآخر.. لكي يريه فرعون ما يرى .. ويهديه إلى سبيل الرشاد!! وهكذا حتى نهاية الطابور..

وتتكرر العملية كلما أحبت جماعة من المواطنين أن تفكر في شيء أو تقدم على فعل شيء..

لابد أن يقف كل واحد منها في مكانه من الطابور.. وينتظر دوره!!

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) (2) .

انظروا: هاهي أمة بكاملها تفقد القدرة على الرؤية، وتُستلب إرادتها، وتمّحى الملامح الشخصية لكل واحد من أبنائها.. تستلّ من تكوينهم أفكارهم، ومطامحهم، وأحلامهم، تمسح حتى بصمات أصابعهم.. لا يتبقى لهم أيما وجود متميز.. فيفقدون ثقلهم، ويخف وزنهم بالتالي..

وإنها لصورة تجسم السخرية بالكلمة.. حتى لنكاد نلمس شخوصها ونرى حركتهم رأي العين: الخفة والارتفاع في الهواء، كأن ليس لهم أي ثقل يتعاملون به مع جاذبية الأرض.. ومع الخفة تأرجح ذات اليمين وذات الشمال .. لا يستقرون على شيء.. وبإشارة من فرعون الطاغية، يتحركون كيفما يشاء هو لا ما يشاؤون هم .. يذعنون ويطيعون لكل أمر يصدره إليهم، ويتجهون حيثما مد أصبعه ..

ونتصور الطاغية وهو يجلس منتفخًا على عرشه يلعب على أمته، أو بالأحرى يلعب بها.. بسهولة ومقدرة تثير الإعجاب.. إلى اليمين فتندفع إلى هناك . يسار فتتحول صوب اليسار.. وقوفًا، فتتجمد في أماكنها.. لا يكلفه ذلك أي جهد حقيقي؛ فهي أخف وزنًا من أن تكلفه شيئًا.. ليس ثمة أي ثقل في عقولها وأفئدتها .. لقد بذل جهده الصعب يوم قام (بعملية) استئصال الوزن وتبديده.. أما وقد نجحت العملية واستخف قومه، فإن طاعتهم العمياء مسألة غاية في السهولة، وهي تأتي جزاءً وفاقًا على الجهد الشاق الذي بذله أول مرة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت