فهرس الكتاب

الصفحة 10050 من 27345

ولو لم يكن هؤلاء يملكون الاستعداد للتضحية بثقلهم الحقيقي رغبًا أو رهبًا، لو لم تكن شخصية كل واحد منهم على درجة محزنة من التفكك والضعف والهزال.. لو لم يكونوا قد اختاروا ألا يكون لهم أيما موقف أو رأي أو وجهة نظر في أية قضية أو مشكلة.. لما استطاع فرعون أن يسوقهم إلى هذا المصير المخزي.. ولما استخفّهم، أو استخفّ بهم، هذا الاستخفاف!!

أما وقد امتلكوا الاستعداد للأمر.. فإن فرعون عرف كيف يجرّدهم من كل ثقل، ويحيلهم إلى أصفار لا تتضمن أية قيمة إيجابية.. وأن يفعل بهم ما يشاء..

فاستخفّ قومه فأطاعوه.. إنها كلمات ثلاث، ولكن اللوحة التي ترسمها بالأحرف تظلّ شاخصة على مدى الأبصار لأنها تتضمن صيغة (كاريكاتيرية) تعرف كيف تجسّد الموقف وتبرز عيوبه وتناقضاته بالخطوط والظلال والألوان، فتجعلنا نضحك منه ونرثي له..

(وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا) (3) .

لكأنما يأتي النداء من فوق.. من قدرة فوق قدرة الإنسان، ورؤية فوق رؤية الإنسان.. تنظر إلى وادي النمل البشري فترى واحدة منها تتضخم وتتضخم وتنتعش وتتطاول.. ثم ماذا تكون؟!

وما تلبث اللطمة القاسية، اللطمة الساخرة، أن تنقض، على الخد المتصعر.. على الرأس المتطاول.. على الجسد المتمطي.. لكي تلفت الطاغية، الذي يتحرك عند أسفل جدار في العالم، إلى حجمه الحقيقي، وتعرف طوابير الأقزام المخدوعين به، الذين خُيّل إليهم ـ لضآلتهم وحقارتهم ـ أنه فعلًا يملك القدرة على أن يمتد بطوله صوب السماء، وأن يستعلي عليهم، وهم يتحركون كالحشرات عند أقدامه .. تعرفهم بهذا الذي خدعوا به..

إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا .. وماذا يكون الإنسان .. أكبر إنسان في العالم.. أكثر الناس انتفاخًا وتضخمًا وامتدادًا وتطاولًا.. ماذا يكون إزاء طول الجبال وشموخها.. وعمق الأرض وأغوارها السحيقة ؟! لا شيء.. لا شيء..

إن الصورة تسمّر أنظارنا على هذا المشهد المترع بالسخرية والجهل والغباء والاحتقار، مشهد الإنسان الطاغية وهو يقف قبالة واحد من جبال العالم.. يتطاول فلا يعدو إحدى حجارته الملقاة على السفح، يمد جسده ويمطيه إلى آخر نقطة يستطيع فيها جسده أن يبلغها طولًا .. فلا يتجاوز صخرة تافهة أسقطتها الأعاصير من هذا الجانب أو ذاك من واجهة الجبل فلم تحدث فيه إلا كما تنقص قطرة الماء المتبخرة من البحر الكبير .. ومصيبة أتباعه أنهم ـ لما يعانونه من قزمية ـ ينظرون إليه وحده معجبين بامتداده، ولا ينظرون إلى الجبل نفسه.. ربما لأنهم لا يرون إلا طاغيتهم وحده.. وربما لأنهم يخافون أن يلتفتوا عنه إلى أي شيء آخر غيره، وبخاصة إذا كان الالتفات لغرض المقارنة.. وربما لأنه قد استلب حريتهم وقدرتهم على الحركة والالتفات.. وربما لأنه أترع قلوبهم وعقولهم بالخوف والرعب، وأفقدهم أية قدرة على القيام بحركة ذاتية متصورين أن أي مقارنة بينه وبين أي شيء آخر إنما هي خروج عن أمره وتمرّد على ربوبيته ..

ولكننا ـ نحن ـ ننظر إلى الصورة القرآنية المؤثرة من الخارج فنرى الطاغية ونرى الجبل، نرى طول هذا ونرى ارتفاع ذاك.. تطاول هذا وشموخ ذاك.. فلا نعاين إزاء كتلة الجبل الهائلة سوى شيء لا يكاد يُرى.. كتلة صغيرة تافهة ملقاة عند أسفل الجبل فأنى لها الطموح إلى أن تسامت الجبل يومًا وتبلغ طوله؟ إنها مسألة مستحيلة كاستحالة دخول الجمل سم الخياط.. مبهظة ثقيلة قاسية، لأنها كالكابوس لا يمكن أن تتمخض عن أي نتيجة حتى لو مضى عليها ملايين السنين من المط والتطاول، فكيف وعمر الإنسان لا يعدو الخمسين

أو الستين؟!

ونراه .. الطاغية .. وهو يضرب بأقدامه الأرض .. بعد إذ أدرك عجزه عن موازاة الجبل .. يضربها بعنف وعصبية، محاولًا خرقها وتفتيت قشرتها الصلبة.. ولن يستطيع..

وأتباعه الأقزام ، داخل الصورة ، ينظرون إليه معجبين ، وقد سمرت عيونهم وعقولهم بجسده العملاق، وهو يتطاول ويتطاول ، وبأقدامه القوية وهي تضرب الأرض .. فما يزدادون إلا تضاؤلًا وإعجابًا!!

وننظر نحن من خارج الصورة، فيأخذنا المنظر المؤثر ويجعلنا نضحك على تفاهة الإنسان ونبكي لمأساته.. فهو التناقض القاسي الذي يضحك ويبكي!

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ) (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت