فهرس الكتاب

الصفحة 10051 من 27345

إذن .. فقد انكشفت اللعبة وتمزقت الأستار.. وأي لعبة لا تتكشف يوم الحساب؟ هاهم الطغاة.. والأرباب.. والمتألهون.. والفراعنة.. يقفون طوابير على حافة جهنم.. خاشعين، ناكسي رؤوسهم لا يرتدّ إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء!! يقفون منتظرين دورهم في الدخول إلى حيث يكتوون بالنار التي لم يوقفهم لهيبها وسعارها عن ممارسة ألوهيتهم هناك، يوم كانوا يسرحون في الأرض ويمرحون.. يقفون الآن وهم يرتجفون خوفًا وهلعًا .. إنهم بعد دقائق أو لحظات سيؤخذون من نواصيهم التي تطاولت على الله سبحانه كذبًا وغرورًا، ويُجرّون من أقدامهم التي مشوا بها طويلًا على رؤوس العباد .. ويُرمى بهم في النار التي ازداد تلمظها وهي ترى هذا الصيد الثمين يقف على بعد خطوات!!

ومن الصف الطويل، يقفز بين الحين والحين، أناس لا نكاد نراهم ونميزهم إلا بصعوبة.. إنهم أصغر حجمًا بكثير من هؤلاء الأرباب، وهم مضغوطون إلى درجة لا يكادون يرون معها لكثرة ما مارسوه هناك في الحياة الدنيا من خوف وجبن وملق ونفاق وصغار والتصاق بالطغيان.. يتقافزون من هنا وهناك، منادين رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا { بأصوات لا تكاد تُسمع هي الأخرى: !! } مِنَ الْجِنِّ وَالأنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا

وإنه لمنظر مضحك حقًا.. وإن الإنسان ليظل يضحك حتى تدمع عيناه .. وهو يرى إلى هؤلاء الأقزام يتقافزون بين أقدام الأرباب، فالناس ـ أغلب الظن ـ محشورون حسب أوزانهم؟! ولكن الذي أطمع هؤلاء الأتباع المتضائلين بسادتهم وجعلهم يطلبون هذا الأمر المضحك: أن يجعلوا هؤلاء السادة من الأرباب والطواغيت تحت أقدامهم، وهم على ما هم عليه من ضخامة وامتلاء.. ما رأوه على هؤلاء من هلع وذلة وانكسار وخوف، سرت قشعريرته الباردة الصفراء إلى عروقهم فأخذوا يهتزون ويرتجفون.. رغم أنهم قريبون من لفح النار!!

إذن فهؤلاء هم السادة الكبار.. هؤلاء هم الآلهة والأرباب .. لقد تبدّدت الكبرياء.. وضاع الجبروت .. وهاهم يرتجفون بأسمالهم التي تفوح منها رائحة الزفت والقطران.. ويحيطهم الخزي، وتكتسحهم المذلة ..

وإنها لفرصة نادرة لأتباعهم الصغار أن يتمردوا عليهم، وأن يطلقوا سراح حشود من المشاعر والأحاسيس والانفعالات كانت قد احتبست في طبقات بعيدة من نفوسهم يوم كانوا يمارسون مهنة العبودية والفناء في ذوات أسيادهم.. وهم يريدون الآن أن يكثفوا مقتهم وغضبهم بحركة ذات دلالة: أن يجعلوا أولئكم السادة تحت أقدامهم!!

ولكن رؤيتهم التي فقدت قدرتها على الإبصار في الحياة الدنيا، تصيبهم الآن ببعض العناء، وسط دخان النار وهول الحساب، فلا يكادون يرون مرة أخرى آلهتهم وأسيادهم على طولها وامتدادها، فيكون نداؤهم المضحك ذاك: (رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ) !!

ويظل نداؤهم ذاك معلقًا دون جواب .. فهم أتفه وأحقر من أن يُستجاب لندائهم.. من أن يردّ عليهم مجرد ردّ.. ولو بالنفي!! وتلك لفتة مقصودة في كتاب الله .. تُستكمل بها الصورة (الكاريكاتيرية) ، ونحن نتخيل هؤلاء .. بل نراهم ونسمعهم يرفعون النداء تلو النداء.. فلا يردّ عليهم أحد!!

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (6) ..

إن القرآن الكريم ـ هنا ـ يتعمد أن يختار أصغر الحشرات وأحطها شأنًا، لكي يضرب بها المثل، ويتحدى طواغيت بني آدم وآلهتهم وأربابهم وأكبرهم حجمًا، أن يخلقوا مثلها: الذباب!!

إنه يذهب في تجسيم التناقض، وفق الأسلوب (الكاريكاتيري) إلى حده الأقصى لكي يهز الناس ويضحكهم في الوقت نفسه!!

فهنا يطرح القرآن نداءه المتحدي، الساخر: أيها الأرباب الذين رفعوا قاماتهم إلى السماء، يريدون أن يخرقوا الأرض، وأن يبلغوا الجبال طولًا.. أيتها الآلهة التي ورمت غرورًا فجاوزت حجمها الحقيقي مئات المرات.. أيها الوضاعون الذين يحتكرون المعرفة العليا لأنفسهم فيفكرون للناس ويشرعون لهم ..

هاأنذا أتحداكم .. أن تخلقوا بعوضًا أو ذبابًا.. أكثر من ذلك، أتحداكم أن تستردوا هباءة تافهة سلبكم الذباب إياها..

أيها الأرباب، أيتها الآلهة، أيها الوضاعون.. اخلقوا ـ إن استطعتم مجتمعين ـ ذبابًا.. استردوا منه ما سلبكم إياه.. ضعف الطالب، أيها الأرباب، والمطلوب.. ضعف الطالب والمطلوب..

إن القرآن الكريم، هاهنا، لا يضحكنا فحسب، ولكنه يبكينا.. يقينا.. إنه ينتزع الدموع من أعيننا..

ونعرف .. ونحن نتقلب بين الضحك والبكاء.. لماذا اختار الله -جل وعلا- أن يتحدى الآلهة والأرباب.. بالبعوض والذباب!!

(1) غافر 29.

(2) الزخرف 54 .

(3) الاسراء 37.

(4) فصلت 29.

(5) الحج 73 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت