بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
يلاحظ في بعض أساليب الخطاب والحوار بين رجال من أهل العلم ورجال من أهل الجهاد والشوكة تدني الاحترام المتبادل عن الدرجة المطلوبة، لاسيما في هذه الأيام التي قد تتباين فيها المواقف .
فمصطلحات القاعدين والمتخاذلين قد تجدها في خطاب إحدى الفئتين للأخرى، وفي المقابل تجد مصطلحات التعجّل والانفعال وعدم المشورة ... الخ .
والأمة بلْه العاملين للإسلام منها أحوج ما يكونون إلى التآلف والتآزر والتوحّد والاجتماع ، وهي أحوج ما تكون إليه في هذه الأيام، قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين }
وترسيخًا لهذا المبدأ الرباني العظيم أودّ المشاركة بطرح بعض الإشارات لعلها تساهم في تصحيح بعض المفاهيم، ومن ثم تتلاشى سحب الدخان بين أنصار الإسلام وتصفو النظرة بين العاملين له ،جعلنا الله جميعًا منهم .
أولًا: الأمة مأمورة كلها بالعلم والجهاد والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..وليس سبيل منها بأولى من سبيل، أو يمكن الاستغناء به عن غيره قال الله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}
ولا أظن الأمة بحاجة إلى زيادة تصنيفات تمزقها وتفرق صفها .
فالجهاد ذروة سنام الإسلام، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة (وأعني به: الجهاد على مصطلح العلماء المعروف وهو القتال في سبيل الله تعالى وكل ما يعين عليه من بقية أنواع الجهاد، وهذا هو الجهاد عند الإطلاق، لا كما حصره بعض الناس ـ هداهم الله ـ في جهاد الكلمة والبيان فحسب ) .
هذا الجهاد لم يؤمر به قوم دون قوم؛ بل الكل مأمور به وفي مقدمتهم أهل العلم ، ومن ثم يظهر أن لا حاجة لمصطلح ( شباب الجهاد ) وكأنهم هم المعنيون به دون غيرهم ، بل ينبغي أن نقول: كلنا من أهل الجهاد إن شاء الله وندعو إليه ونحرض عليه ، قال تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } الآية .
وإذا كان الجهاد مأمورًا به وهو ذروة السنام فكذلك ينبغي أن نعتقد فرضية طلب العلم فيما يجب على العبد تعلمه، والقاعدة في ذلك: أن ما وجب فعله وجب تعلم كيفية فعله ... وهكذا يقال في سائر فروض الكفايات والتي تكون في بعض أحوالها وصورها فروض أعيان ، وليس ثم تعارض بين هذه الفروض وحاشا شرع الله من التناقض ، وينبغي لكل مسلم فضلًا عن أهل الصلاح والعمل للإسلام أن يوفقوا بين هذه الفروض ، وألا يفرطوا فيما وجب عليهم منها ، وبهذا تتلاشى التفرقة على أساس الأخذ بأحد منها .
( وتزيدها بيانًا الفقرة التالية ) .
ثانيًا: قال تعالى: {قل كلُّ يعمل على شاكلته} قال مجاهد: طبيعته ، وقال الفراء: على طريقته ومذهبه الذي جبل عليه . وقيل: قل كلُّ يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب في اعتقاده .
ثم قال القرطبي في تفسيره 10/323: وهذه الأقوال كلها متقاربة والمعنى أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألفها .1.هـ
وفي حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( اعملوا فكل ميسر ) . وفي رواية ( ميسر لما خلق له ) . متفق عليه .
فكل له ما يناسبه ولذا كان مجال المنافسة والمسابقة في الطاعات واسعًا جدًا شاملًا لكل رغبات البشر المشروعة ، وقد قيل: وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه .
وما أعظم حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين يقول: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة فقال أبو بكر رضي الله عنه بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها قال نعم وأرجو أن تكون منهم . متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه .
إن هذه النصوص التي هي بمثابة القواعد للمسلم تجعله مدركًا لما يستطيع المسابقة فيه ، وخدمة الإسلام من خلاله .
كما تجعله فقيهًا بالجمع بين ما ورد من نصوص في فضل هذا العمل وما ورد من نصوص في فضل عمل آخر وثالث وهكذا ..
فالتفاضل بين العبادات يكون بحسب ما هو أنفع للعبد في العبودية وأنفع للناس أيضًا إن كان مما يتعدى نفعه وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأشخاص .
وبهذا يفسر اختلاف جواب النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أفضل الأعمال مثل: