فهرس الكتاب

الصفحة 12423 من 27345

ونود أن نؤكد هنا قضية نؤمن بأنها هامة . إن من بين أهداف الفقه في الإسلام المساهمة في بناء الإنسان المؤمن الملتزم الماضي على صراط مستقيم . يريد الله من جميع عباده المؤمنين أن ينهضوا إلى مسؤولياتهم والتكاليف الشرعية التي وضعها الله أمانة في عنق كل مسلم ، أمانة نسميها ( المسؤولية الفردية ) التي تبنى عليها مسؤولية الأمة كلها في دين الله .

إن الله سبحانه وتعالى فرض طلب العلم على كل مسلم ، لا على فئة محدودة ، وألح الكتاب والسنة بذلك ، على أن يكون طلب العلم بحافز إيماني ، فيزيد العلم الإيمان ، ويزيد الإيمان الإقبال على العلم برحمة الله .

فإذا أقبل الجميع على العلم ، ونهلوا جميعا من الكتاب والسنة اللذين هما أساس كل علم ، وأعطي الجميع الفرصة نفسها، فعندئذ تتميز المواهب والقدرات ، ويبرز أولوا الألباب الذين أعطاهم الله وسعًا صادقًا أكبر ، ويبرز في الأمة العلماء . فالعلماء هم أصحاب الإيمان الأصفى والعمل الأتقى والمواهب المتميزة التي حملت لذلك القدر الأكبر من العلم ، وحملت المسؤولية الأكبر، بين مؤمنين كلهم متعلمون ، كلهم ناهضون لمسؤولياتهم ، لا بين جهلاء قعدوا عن طلب العلم وأصبحوا عالة على العلماء والأمة . وقد يعذر المسلم فترة لجهله ، ولكن لا يعذر إذا استمر الجهل وامتد الحياة كلها ، أو رغب المسلم عن تعلُّم دينه ، وأقبل على علوم الدنيا وحدها . لا يعذر المسلم في هذه الحالة . ومن واجب العلماء إبراز الحكم الشرعي لهؤلاء لينهضوا إلى طلب العلم من الكتاب والسنة ، وإصدار الفتوى بحرمة بقاء المسلم جاهلا عالة على الأمة والعلماء .

وبالإضافة إلى النصوص التي وردت بفرض طلب العلم فقد جاء كذلك الترغيب الملحُّ بذلك . ونأخذ قبسات قليلة للتذكير . فانظر إلى هذا الدعاء ، دعاء الهم والحزن ، الذي يرغب كل مسلم أن يدعو به: ( اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك ، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك ، أو استأثرت به في العلم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي ) (11) .

فهذا الدعاء والإلحاح به على هذه الصورة ينصبُّ ليكون القرآن ربيع القلب ونور الصدر ، وكيف يكون ذلك إلا إذا وعى القلب القرآن وتدبره وآمن به وعمل به . وهذا نداء لكل مسلم .

وهذا الدعاء كذلك يرغب به كل مسلم ليدعو به بعد السلام من صلاة الفجر: ( اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا ) (12) .

فإلى مدرسة النبوة أيها المسلم ، واملأ صدرك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ولو جمعنا الأقوال حول حكم الحامل والمرضع لرأينا الاختلاف الواسع المتضارب: فمن قائل: يفطران ويفديان ويقضيان ، ومن قائل: يقضيان فقط ، ومن قائل: يفديان فقط ، ومن قائل يفطران ولا قضاء ولا فدية . فهل يعقل أن نقدم للناس هذه الآراء المختلفة ، وهل يعقل أن الإسلام وفقهه يجيز هذه الآراء كلها ، وماذا يفعل المسلم بعد ذلك ؟

قال مالك: (إذا خافتا مطلقا فلهما الفطر وعلى الحامل القضاء دون الفدية بخلاف المرضع فعليهما القضاء والفدية ) . وقال الحنفية: ( عليهما القضاء دون الفدية كالمريض الذي يرجى برؤه ) . وقال الشافعية والحنابلة: ( إذا خافتا على الولد فقط فعليهما القضاء والفدية لأنه فطر ارتفق به شخصان ، وإلا عليهما القضاء فقط ) .

والحديث الذي أوردناه عن الحامل والمرضع: ( ورخّص للحامل والمرضع ) ، ولم يأت ذكر إن خافتا على الولد أو على نفسيهما . كانت رخصة دون تقييد هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى: أين التيسير الذي يريده الله ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه ابن أبي حاتم مرفوعًا: تفسير ابن كثير لآيات الصيام .

(2) تفسير ابن كثير .

(3) مسلم: 13/17/1121 .

(4) صحيح الجامع الصغير وزيادته: ط: 2: ( رقم: 5304 ، 5305 ) .

(5) صحيح الجامع الصغير وزيادته: ط: 2: ( رقم 5304 ، 5305 ) .

(6) صحيح الجامع الصغير وزيادته: ( رقم: 3809 ) .

(7) سبل السلام: ط: 4ج2/322 .

(8) مختصر تفسير ابن كثير لآيات الصيام (ط2) دار القرآن الكريم 1/160 .

(9) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: 2/76 .

(10) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: 2/77 .

(11) أحمد: 1/391 وصححه الألباني .

(12) صحيح ابن ماجة: 1/152 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت