سامي بن عبد العزيز الماجد 11/8/1426
من الضعف خُلقنا وإليه نُردّ، ونحن فيما بين ذلك كذلك...صور من الضعف تتقاسمُها الأجسادُ والنفوسُ، فالأجسادُ تعترضُها الأمراض، إن أخطأتها لم يُخطئها ضَعفُ الهَرَم، يردها إلى أرذلِ العمر، والنفوس تعتريها غفلةٌ أو يسمُّها طائف من الشيطان، يدرك الإنسان لحظتها: كيف أنه مُطوَّقٌ بالضعف من كل جانب، ويرى كيف تتجلّى عظمة الخالق وقوتُه أمام عجزِه وضعفه.
ومن الضعف صورةٌ لا يواري الإنسان ولا يداري أن يُظهِرَ فيها ضعفَه وافتقارَه وحاجتَه... إنها حالة المرض، عارضٌ يُنهِك البدنَ ويضعِفُه؛ فتضعفُ معه النفس، ويذهب عنها كبرياؤها، وينطفئ طغيانُها، وتتهاوى أمامه أوتادُ القوة المزعومة، فتعودُ النفسُ سيرتَها الأولى، إلى فطرتها التي تنكّرتْها بكبريائها وطغيانِها، ووارتْها بأوهام القوّة؛ لتدِبَّ فيها أعراضُ الضعف من جديد.
المرض ضعف يُنهِكُ البدن حتى يتركه هزيلاً، ولكنه لبعض القلوب قوةٌ يَصقُلها بالإيمان، ويردُّها إلى الفطرة، ويوقظُها من الغفلة، وينفي عنها خبَثَ الشبهات والشهوات، ويزيل من فوقها رُكامَ التيه والغفلة.
وتسارع النفسُ عند اعتلالها إلى التوبة سراعاً لا يخطئ بابها، ذاك البابُ المفتوحُ الذي ضلت عنه كثيراً في سِنيِّ العافية، فها هي توفض إليه سِراعاً بعد أن كانت تصدف عنه صدوفاً.
ليس عيباً أن يُظهرَ العبدُ ضعفَه عند مرضه...ليس شيء من هذا معيباً؛ فإظهار ذلك انكسار وانطراح بين يدي الله، فتلك حالة يحبها الله من عبده. ولكن أن يدع هذا التضرعَ، ويترفّعَ عن هذه المسكنة، ويتنكر النعمة إذا كشف ربّه عنه ضُرَّه، وسرّي عنه ما كان يجد؛ كأن لم يُصبْه مرضٌ قط، وكأن لم يَدعُ ربَّه ساعة فهذا هو الممقوت (وإذا مس الإنسان الضرُّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً، فلما كشفنا عنه ضرَّه مرَّ كأن لم يدعنا إلى ضُرٍّ مسّه، كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون) .
قَلَّ من يتذكر في إبان صحته أن ثمةَ ضعفاً، وأن هناك عجزاً، فساعات الرخاء تُنسي، والإحساسُ بالغنى يطغي، ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع، وإذا هو ذو دعاء عريض، ضيق بالشدة مستعجل للرخاء. حتى إذا كشف الله عنه ضُرَّه وأجاب دعوتَه ولى مدبراً، ولم يعقب، وعاد إلى ما كان عليه من قبل من غفلة وإعراض.
يتزعم بعض الناس أفكاراً فاسدة نحسب أنهم فيها على درجة اليقين، ثم تبدي الأيام أن كثيراً مما يتزعمونه لم يكن سوى هوًى مدفوع بشهوةٍ، مخلوط بشبهة، إذ مسَّه مرض مخوف فتهاوى، وترك قلبه صلداً من كل هذا الركام والران، وردّ نفسه إلى فطرتها الأولى... إلى الإيمان بالله، وتصديق رسالاته، وانقشع عنه غمامُ الشُبَهِ، وانزاحت عن عقله فلسفاتٌ ضالّة وآراءٌ فاسدة.
ويحدثنا التاريخ عن شواهد كثيرة في ذلك، لا عن عوام يقلدون ويُخدعون، بل عن مفكرين عظماء، وفلاسفةٍ أذكياء، أرهقهم ذكاؤهم حيرةً وضلالاً، فهداهم إلى الحق مَسٌ من مرضٍ مخوف، أذهب عنهم رجس الشيطان، وربط قلوبهم بالكريم الرحمن، وهداية في ضراء خيرٌ من ضلالةٍ في سراء.
وهذا شاعرٌ من شعراء العصر الحديث، خاض متاهات كثيرة وتقلّب بين أفكار خبيثة، استهوته حياة اللهو والعبث فعاش بعيداً عن هدي الإسلام، فسبقت إليه رحمة الله، فأُصيب بمرض عُضال كان الجسرَ الذي عبر فوقه إلى الهداية. حينما أحس بدبيب المرض في جسمه راح يبث شكواه لربه محسناً به الظن، ذاكراً لأنعُمه التي كانت تترى عليه من قبل وهو في غفلة، وقاوم المرض بنفس يغلبها حسن الظن بالله، والصبر والرضا، وقصد الباب الذي كان يمرّ به، ولا يقف عنده. بابَ الله الذي لا يُغلق لطالب، وجثا على أعتابه يبثّ عنده همومه، ويشكو إليه آلامه المبرّحة، ذاكراً لأنعمه، راجياً، ضارعاً، متسامياً في شكواه، وفي وهْدة المرض بدأت تنزاحُ عنه التصورات المختلطة المضطربة، ويتألق في قصيدةٍ رائعة يصوِّر لنا فيها تصوّراً ناصعاً يكشف كيف تفيض الفطرة السوية في لحظات المحنة.
وفي أعطافها دعوة لكل غاوٍ شرد بعيداً عن دروب الهدى كي يؤوب إليه ربه، متطهراً من التصورات الضالّة، وسيجد الأبواب مفتوحة للتوبة. وقصيدته مناجاة لله سبحانه، يستهلها بالحمد ليكون شافعاً بين يدي الشكوى، ويرسم فيها صورة الألم، ولكن مقروناً بالصبر والتجلد، تفيض بمشاعر إيمانية، يمتزج فيها الصبر بالشكر، يقول الشاعر:
لك الحمدُ مهما استطالَ البلاءُ
ومهما استبدَّ الألم
لك الحمد إن الرزايا عطاء
وإن المصيباتِ بعضُ الكرم
ألم تعِطني أنت هذا الظلام
وأعطيتَني أنت هذا السَّحَر
فهل تشكرُ الأرضُ قَطْرَ المطر
وتغضبُ إنْ لم يجدْها الغمام
شهورٌ طِوالٌ وهذي الجراحُ
تُمزِّق جَنْبي مثلَ المُدى
ولا يهدأ الداءُ عندَ الصَّباح
ولا يمسحُ الليلُ أوجاعَه بالرَّدى
ولكنَّ أيّوبَ إنْ صاحَ صاح
لك الحمدُ إن الرزايا نَدى
وإنَّ الجراحَ هدايا الحبيب
أَضمُّ إلى الصدر باقاتها
هداياكَ في خافقي لا تَغيبُ