بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
أعجبُ كلّ العجب حين أرى النَّاس يفاجؤون بمواقف أمريكا، في المدة الأخيرة من قضية فلسطين، ووقوفها ضد التصويت على المشروع المقدّم من قبل الدول العربية إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة إسرائيل في المجازر الأخيرة، ومنحها لشارون كتاب الضمانات التي يرغبها، وإعلان ذلك على العالم ! أعجب وأتساءل: ما هو الجديد في مواقفها وما الذي يثير الدهشة ؟!
موقف أمريكا موقف واضح صريح منذ عشرات السنين، يتبناه جميع رؤساء الولايات المتحدة منذ أن بدأ زحف اليهود على فلسطين.
لقد أعلن جميع وزراء خارجية الدول الغربيّة بعد إعلان قيام دولة اليهود في فلسطين تصريحًا أجمعوا عليه:"إنّ إسرائيل وجدت لتبقى"! وتوالت التصريحات منذ سنة 1948م على الأقل تردد وتؤكد هذه المعاني.
ولماذا أقرّ العالم انتداب بريطانيا على فلسطين ؟! لقد كان الانتداب وإقراره إقرارًا وتنفيذًا دوليًا لوعد بلفور، إقرارًا برعاية كيان اليهود في فلسطين وتوفير الحماية المتواصلة له، ولقد كان سلوك الانتداب البريطاني في فلسطين مدة الانتداب واضحًا جليًا في دعمه القوي لليهود وخنقه لمحاولات الفلسطينيين في مقاومة ذلك. واستمرَّ الانتداب بسياسته الظالمة دون أن يجد أي يقظة حقيقية من العالم العربي أو الإسلامي كله، والنذر في الآفاق مدويّة.
ألم يكن ذلك كله كافيًا لينذر بما هو مقبل على العالم العربي والإسلامي ؟! ولقد حاول أهل فلسطين منذ أوائل الغزو الصهيوني نقل القضيّة لتأخذ صورتها الحقيقة كقضيّة إسلامية في أيدي العالم الإسلامي كله والأمة المسلمة كلها. ولكن جميع الجهود فشلت لهوان الاستجابة من ناحية وشدة ضغط القوى المعادية داخليًا وخارجيًّا.
ولما انتهى الانتداب وقامت دولة اليهود، وأعلن أهل فلسطين"حكومة عموم فلسطين"، وخُذِلت تلك الحكومة ونشطت دولة اليهود في رعاية دولية حانية لم يجد أهل فلسطين مثيلًا لها من أهلهم وإخوانهم.
كان رأي أهل فلسطين آنذاك أن يتولَّوا هم القتال في فلسطين، وأن لا تدخل جيوش الدول العربيّة، وأن تقام معسكرات للتدريب على جميع الحدود، ويؤمَّن لأهل فلسطين التدريب والسلاح والمال، ولكنّ جامعة الدول العربيّة آنذاك رفضت هذا الحل وأصرّت على دخول الجيوش العربيّة، فكان ما حدث!
وامتدت الأحداث وتطورت حتى صدر تصريح جمال عبد الناصر سنة 1964م، يعلن فيه قيام منظمة التحرير وبناء جيش لها لتنفيذ مقررات هيئة الأمم المتحدة. فكان ذلك إعلانًا صريحًا بقبول الكيان الصهيوني وبالتنازل عن قسم من فلسطين له، والمطالبة بقيام دولة للفلسطينيين حسب قرارات التقسيم.
ولكنّ"مناحم بيجن"رفض في مؤتمر كامب ديفيد التنازل عن أي شبر من فلسطين، وقال إنهم صبروا آلاف السنين حتى يعودوا إلى"أرضهم"، فلن يتنازلوا عنها. ولكن يمكن منح الفلسطينيين سلطة داخلية في بقعة من الأرض يتولون فيها شؤون الصحة والمعارف وأمثال ذلك تحت إشراف إسرائيل، دون أن يكون لهم جيش أو وزارة خارجيَّة. وكان ذلك بحضور"كارتر"و"أنور السادات"و"مناحم بيجن"و"موشى دايان"و"حسن التهامي".
وانحصرت مطالبة العرب والمسلمين بعد ذلك بدولة فلسطين على جزء من فلسطين. واخذ الصراع يدور حول ذلك. ولم يكن ذلك موقف الدول العربيّة وحدها، وإنما أصبح مطلب بعض الدعاة المسلمين، ومطلب الحركات الفلسطينية. وكان يُغطَّي هذا التنازل وهذا المطلب بمعارك واصطدامات مع اليهود تجلب تأييد الرأي العام وعطفه على الذين يتبنّون القضية آنذاك، دون أن يسأل أحد ما هي الخطة وما هو الهدف وما هي الإمكانات والوسائل!
وكثرت الشعارات ودوّت في العالم العربي تعلن تحرير فلسطين من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. وفي هذه اللحظات تكرّس مبدأ المناداة بالدولة الفلسطينية، وحق الفلسطينيين بالقتال من أجل ذلك، ثم تأكد ذلك بالمناداة بحق تقرير المصير للفلسطينيين، مناداة واسعة شملت العالم العربي كله والإسلامي، والمستويات المختلفة.
وأصبحت القضيّة قضيّة الفلسطينيين عمليًّا، وقَبِل الفلسطينيون ذلك، وهبت المنظمات الفلسطينية المختلفة لتتولّى مجابهة إسرائيل.
عندما كانت إسرائيل ضعيفة سنة 1948م، والفلسطينيون في أرضهم وديارهم، لم يُسْمحْ لهم بأن يتولّوا قضيتهم. ولما قويت إسرائيل وأصبحت لها ترسانة أسلحة جبارة ترهب من حولها، وتقف معها دول العالم وقفة المدد والدعم الكامل، في هذه المرحلة والفلسطينيون كثير منهم في شتات، أُحيلت القضية إليهم ليتولّوا هم وحدهم حقيقة القتال مع إسرائيل مع مدد من الدول العربيّة مالًا وسلاحًا وشجبًا وشكوى، واستغاثة واستنجادا.