د. عبد الكريم بكار 7/7/1424
المعرفة هي صناعة الإنسان، والجهل داؤه، والعلم ترياقه.
من خلال الملاحظة وتراكم الخبرات والاستبصار والخيال وقراءة الأحداث واكتشاف العلاقات بين الأشياء ومعرفة سنن الله - تعالى- في الخلق من خلال كل ذلك نبني معارفنا، نكوّن انطباعاتنا، وننظم بالتالي مواقفنا وردود أفعالنا.
المعرفة عبارة عن معلومات، والعلم معارف منظمة ومبوبة. والعالم سواء أكان كبيرًا أم صغيرًا يشتغل على الجزئيات إدراجًا واستنباطًا على الكليات واستكشاف القوانين والوقوف على الملامح العامة، وشفوف بصناعة المفاهيم الكبرى وصياغة مناهج البحث ومناهج التفكير، وإذ كنا في حاجة إلى كل من العالم والمفكر؛ فإن على كل واحد منهما ألا يقلل من شأن الآخر بل عليه أن يعترف به، ويحاول الاستفادة من عطاءاته.
فقه السنن وفهم طبائع الأشياء، من الأعمال العظيمة التي يحق للمرء أن يغتبط، ويبتهج إذا حقق فيها نجاحًا عظيمًا، لأن ذلك يدل على استقراء ممتاز للوقائع المتفرقة، كما يدل على شفافية عالية وخيال خصب قادر على ضم النظير إلى النظير، والخروج من سجن الجزئيات والرؤى الذرية المبعثرة.
وإن مما يؤسف له أن المهتمين بالفهم الكلي قليلون دائمًا بسبب مشقة العمل في هذا المجال وحاجته إلى إمكانات ذهنية، قد لا تتوفر لدى كثير من الناس.
فهم طبائع الأشياء قد يحتاج إلى أن نهتم على نحو عميق بملاحظات النابهين جدًا من كبار الاختصاصيين، ثم نحاول التفريع عليها وإضافة ما نمكن إضافته إليها. حين نعرف السنن التي تحكم مجالًا أو عملًا أو علاقة ما؛ فإن ذلك يجعلنا كمن يكتشف سبلًا عامة عريضة، تتفرع عنها دروب صغيرة. وآنذاك فإننا نستطيع التفريق بين المطرد والشاذ والمألوف وغير المألوف والطبيعي وغير الطبيعي؛ كما نستطيع التفرق بين المطَّرد والشاذ والمألوف وغير المألوف والطبيعي وغير الطبيعي؛ كما نستطيع أن نثمن المعلومات الواردة عن ذلك المجال، وأن نكتشف ما يمكن أن يكون قد دخلها من زيف وتزيد.
وأنا هنا أحاول أن أوضح بعض طبائع بعض المجالات المعنوية والحياتية؛ وينبغي أن يؤخذ كل ما أقوله هنا على أنه مقاربة واستشراف ليس أكثر.
1-المجال الفكري:
التفكير هو: اشتغال العقل على بعض المعلومات من أجل الوصول إلى أمور مجهولة. ومن طبيعة هذا المجال الآتي:
-صدور المفكر عن رؤية جانبية، إذ مهما كان العقل متيقظًا ومدربًا، ومهمًا كان خياله واسعًا، وكانت معارفه عميقة وشاملة؛ فإنه لا يستطيع أن يحيط بكل الأمور المتعلقة بالقضايا التي يفكر فيها، أي أن المقدمات التي ننطلق منها إلى بلورة حكم أو الحصول على نتيجة معينة، ستظل مقدمات ناقصة. ولو أننا استشرنا أفضل مركز دراسات متخصص في مشروع من المشروعات أو مشكلة من المشكلات، لما صدر إلا عن رؤية جزئية. ورحم الله الإمام مالك بن أنس حين كان يستشهد عن إفتائه في مسألة من المسائل بقوله- سبحانه - (إن نظن إلا ظنًا وما نحن بمستيقنين) .
-وجود الأخطاء في المجال الفكري أمر طبيعي وكثير الانتشار، وذلك لأن العقل وهو يعمل على الوصول إلى بعض الرؤى والمحكات والأحكام... يُتيح الأخطاء والأوهام بسبب هشاشة المقدمات والأسس التي يبني عليها أو بسبب سوء التقدير لطبيعة العلاقة التي تربط بين الأسباب والمسببات والمقدمات والنتائج. وهذا يتطلب منا أن نكون دائمًا يقظين للمنتجات الجانبية لعمل العقل، كما يجعلنا في حاجة دائمة لمراجعة طروحاتنا وأفكارنا.
-كثيرًا ما يصاب المشتغلون بالقضايا الفكرية بالجفاف الروحي، ولست أعرف الأسباب الأكيدة لهذا، لكن ربما كان ذلك بسبب أن الإشراق الروحي يحتاج إلى جهد تعبدي عملي، على حين أن المشتغلين بالقضايا الفكرية يكونون عادة مشغولين بالتنظير واكتشاف الأسباب والعلل. وأحيانًا يؤدي إدمان التنظير إلى شيء من الترهل الروحي بسبب أنه يجعل صاحبه أكثر تفهمًا للواقع، وبالتالي أكثر خضوعًا له. وهذا يؤدي إلى انخفاض في درجة التسامح والذي يعد حجر الأساس في التفتح الروحي؛ وعلينا أن ننتبه إلى هذا.