-من أعمدة العمل الفكري الاختزال والتخبط، حيث يتشوق المفكر إلى استخلاص بعض القوانين والمقولات العامة من أكوام المعلومات والمعطيات الجزئية، وينتج عن هذا القيام بتحييد الكثير من الأقوال والمعلومات الموثوقة؛ فالبناء الفكري بطبيعته - كما هو شأن البناء التاريخي- هو بناء انتقالي. وأثناء عملية الانتقاء تتم الاستهانة بأمور ومعطيات قد تكون جوهرية وحيوية. هذا بالإضافة إلى أن المفكر بسبب اشتغاله بالأمور الكلية يزهد عادة بكل ما هو جزئي وفرعي. وأتصور أن علم (مقاصد الشريعة) لم يتم، ولم يتبلور بالشكل الكافي؛ لأن الذين اشتغلوا على إنضاجه لم يكونوا من المشتغلين بالفلسفة الكلية للتشريع، كما أن خبرتهم بفقه الأولويات كانت ضئيلة؛ مما جعل قدرتهم حيال دمج بعض النصوص الصحيحة في المرامي للشريعة السمحة محدودة في المجال الفكري يتألف العقل وتبرق اكتشافاته، وهذا يجعل المشتغلين بالفكر يشعرون بنوع من الوثوقية الزائدة، فيطلقون الأحكام في أحيان كثيرة من غير قدر كافٍ من الرؤية والتأمل. وكم عانينا من موجات النقد غير الأصيل وغير المحكم بسبب الإفراط في الثقة بما لدينا من أفكار ومفاهيم، هي في كثير من الأحيان تقبل الجدل والمراجعة.
2-المجال الروحي:
المكمن الحقيقي للذات الإنسانية، هو الروح والمشاعر والعواطف وليس العقل والأفكار والمفاهيم. وقد دلتنا الخبرة على أن المجال الروحي شديد الجاذبية، وهو يملك قدرة هائلة على جعل الناس يتجاوزون الضوابط والحدود التي يضعها العقل؛ بل تلك التي يضعها الشرع أيضًا، وإذا تأملنا في أقوال وسلوكات كل أولئك الذين حدثنا التاريخ عن إعزافهم في المسائل الوجدانية والروحية وفي قضايا الأحوال والمقامات والكرامات والتجليات والنفحات...؛ لوجدنا أنهم - إلا النذر القليل- قد استهلوا تجاوز النصوص الشرعية، أو صاروا إلى تأويلها على نحو لا يخلو من الفجاجة والتعسف .
إن المشاعر الجياشة التي قد يجدها بعض العباد كثيرًا ما تقوم بدور المخدر أو المعطل لملكة العقل، والمعطل لدور النصوص والأحكام الشرعية في توجيه سلوك المسلم وضبط مقولاته. وهذا ليس خاصًا بالمسلمين ولا بأهل أية ملة من الملل، بل هو عام يشمل كل أو جلّ من يشتغل بالمسائل الروحية والوجدانية، وقد عانت الأمة كثيرًا من أهل (الشطحات) الذين كانوا يلقون بالكلام على عواهنه استجابة للخواطر والوساوس والأوهام والرؤى المنامية. ومن هنا؛ فإن على كل من يهتم بالشأن الروحي أن يحرص الحرص كله على أن يظل في إطار المشروع، وألا يغضّ الطرف عن الرؤية الفقهية كما يصدر عنه من أقوال وأعمال.
المجال الروحي يوفر لكل من يدخله درجة عالية من الطمأنينة والسرور والانشراح؛ ولا عجب إذ إن الصلة بالله - تعالى- ومناجاته والتودد والتذلل إليه لا تأتي بغير هذا؛ لكن الملاحظ أن هذه الدرجة من الجور تدفع من يتمتع بها إلى الانطواء على نفسه والميل إلى العزلة والاستخفاف بما يجري في المحيط الخارجي من أحداث، وقد كان من الأدبيات المشهورة لدى العباد والزهاد أو طائفة منهم على الأقل أن من علامات ولاية الشخص أو من أسس الولاية الذكر والصمت والعزلة والجوع. ومن هنا؛ فإن المسلم مطالب إلى جانب تزكيته لنفسه وتطهيره لقلبه وصقله لروحه بألا يندفع من حيث لا يدري إلى تضييع الواجبات الاجتماعية والدعوية، وحتى لا يقع في هذه المصيدة؛ فإن عليه أن يتذكر أهدافه وواجباته.
3-المجال الوعظي الإرشادي:
هذا المجال كثيرًا ما يعكس غيرة المسلم وخيريته، وحرصه على تبليغ الرسالة، وعلى استقامة المسلمين وتحسّن أحوالهم، وهو مجال مهم، وله دور حيوي في إبقاء الوعي الإسلامي متيقظًا ومنفتحًا على الأوامر والنواهي. من طبيعة العمل في هذا المجال دفع العاملين فيه إلى السحب من رصيد الحقيقة، وتجاوز البراهين والأدلة المتوفرة على حكم من الأحكام أو في قضية من القضايا، أو مقولة من المقولات؛ فحماسة الداعية للقضية التي يتحدث عنها وحرصه على إقناع الناس بما يقول يجعلانه لا ينتبه إلى أنه تجاوز القصد والاعتدال، وأنه صار يسلك مسالك مندوبي الدعاية والتسويق، والذين لا هم لهم سوي أن يبيعوا أكبر عدد من الزبائن بأعلى قدر من الأسعار.
الوعاظ والدعاة اليقظون والورعون جدًا هم الذين يستطيعون النجاة من ذلك إلى حد بعيد، ولكن ربما بشكل غير مستمر. وظاهرة القصّاص في التاريخ تحكي في معظم الأحوال هذه الحقيقة، وقد وضع أقوام منهم بعض الأحاديث من أجل حث الناس على عمل ما يعتقدون أنه مهم لفلاحهم، ولما حُذَّر بعضهم من ذلك، وذُكِر لهم الحديث"ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"قالوا: نحن نكذب له لا عليه!.