د. بشرى محمد أحمد*
مقدمة:
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله، و أشهد أن لا إله إلا الله خصنا بخير كتاب أنزل، و أكرمنا بخير نبي أرسل، و أشهد أن محمدًا عبده و رسوله، بلغ الرسالة، و أدى الأمانة و نصح الأمة و جاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه و سلم و على آله و صحبه أجمعين.
كان الرسول يختار في تعليمه من الأساليب أحسنها و أفضلها، و أوقعها في نفس المخاطب و أقربها إلى فهمه و عقله، و أشدها تثبيتًا للعلم في ذهن المخاطب، و كان النبي صلى الله عليه و سلم يلوِّن الحديث لأصحابه ألوانًا كثيرة، فتارة يكون سائلًا و تارة يكون مجيبًا، و تارة يجيب السائل بقدر سؤاله، و يزيد على ما سأل، و تارة يضرب المثل لمن يريد تعليمه، و تارة يصحب كلامه القسم بالله تعالى ليؤكد ما يقوله، و تارة يلفت السائل عن سؤاله لحكمة بالغة منه، و تارة يعلِّم بطريق الكتابة، و تارة بطريق الرسم، و تارة بطريق التشبيه أو التصريح.
و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يورد الشبهة ليذكر جوابها، و تارة يسلك سبيل المداعبة و المحاجاة فيما يعلمه، و تارة يمهد لما يشاء تعليمه و بيانه تمهيدًا لطيفًا لما يريد بيانه، و تارة يسلك سبيل المقايسة بين الأشياء، و تارة يشير إلى عللها لذكر جوابها، و تارة يسأل أصحابه و هو يعلم ليمتحنهم بذلك، و تارة يسألهم ليرشدهم إلى موضع الجواب، و تارة يلقي إليهم العلم قبل السؤال.
إن دعوة غير المسلمين و خاصة أهل الكتاب يجب أن تكون مؤثرة و بأساليب متعددة، لأن بعض الناس قد لا يستجيب للدعوة إلا أن يرى شيئًا عظيمًا يجعله يقف مبهورًا معجبا، شيئًا يشده إلى الإسلام شدًا و يجعله يعيد حساباته.
إن ملكة سبأ كانت تعبد الشمس هي و قومها عندما دعاها سليمان عليه السلام إلى الإسلام، و لكنها أبت إلا أن تنقاد مع اعترافها بضعفها أمام قوة سليمان و جنوده، و لكن عندما دخلت الصرح وحسبته لجة: (قالت رب إني ظلمت نفسي و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين) (سورة النمل - الآية 144) .
لقد عرضت عليها مظاهر القوة الخارقة لتؤثر على قلبها و تقودها إلى الإيمان.
و لكن في الإسلام ليس الأصل هو المعجزات المادية، و إن جاءت عفوًا و إكرامًا فلا بأس. و كان صلى الله عليه و سلم لا يعتمد في دعوته إلى الله على المعجزات المادية، بل على معجزة القرآن فقط.
إن الرسول صلى الله عليه و سلم اتخذ أساليبًا متعددة مع أهل الكتاب في دعوتهم للدخول في الإسلام، و قد شملت دعوته، الدعوة باللسان حيث أقام الأدلة القاطعة على إرساله لهم، و أقام عليهم الحجة حين حاولوا غير مرة تعجيزه بأسئلة يوجهونها إليه و يجيبهم فيها وفق أسئلتهم.
و كان صلى الله عليه و سلم تارة يرغبهم في الإسلام و يبين لهم محاسنه، و تارة يرهبهم و يحذرهم،. و كان من جملة أساليبه صلى الله عليه وسلم في دعوته أهل الكتاب أنه صلى الله عليه و سلم دعاهم دعوة خاصة، و كان يظهر لهم حلمه و صفحه و يظهر لهم المعجزة، و يعرِّفهم موافقة القرآن لما في التوراة، و موافقة أهل الكتاب فيما ليس فيه نص، و إباحته ذبائح أهل الكتاب و نسائهم، و قبول الهدية من أهل الكتاب، و وصيته صلى الله عليه و سلم على أهل الذمة، و إخبار اليهود بما ينتظرهم من عذاب.
أهمية البحث:
أولًا: إظهار سماحة الإسلام وتعايشه مع الأديان الأخرى.
ثانيًا: تعريف إخواننا المسلمين كيفية معاملة أهل الكتاب وبخاصة في السودان و نحن نستشرف السلام.
ثالثًا: إظهار أن الإسلام لم يفرض بالقوة على أهل الكتاب.
مشكلة البحث:
تتلخص مشكلة البحث في مفهوم كثير من المسلمين في محدودية التعامل مع أهل الكتاب و الكف عن دعوتهم إلى الدخول في الإسلام رغم اختلاطهم في العمل في السكن. و أردت بهذا البحث توضيح المنهج الشرعي في كيفية التعامل مع أهل الكتاب و دعوتهم إلى الإسلام أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم، و كذلك الرد على أعداء الإسلام في أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدخل الناس في الإسلام عن طريق القوة.
خطة البحث:
يتكون البحث من مقدمة و تمهيد و مبحثين و خاتمة و فهرس للمصادر و المراجع.
تمهيد:
(أهل الكتاب) كلمة تطلق على كل من يدين باليهودية أو النصرانية و لو لم يكن من أصل بني إسرائيل الذين أنزلت على رسلهم التوراة و الإنجيل. قال تعالى: (قل ياأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم و ما أنزلت التوراة و الإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) (سورة آل عمران- 107) .
قال سعيد بن جبير (رحمه الله) : عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( كان محمد صلى الله عليه و سلم رحمة لجميع الناس، فمن آمن به و صدق به سعد، و من لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف و الغرق) [1]
و قال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا) ( سورة الأعراف- جزء من الآية158) .