الكاتب: الشيخ د.علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
كثيرة هي الموضوعات التي يناسب تناولها في مثل هذه الأوقات التي ما تزال أصداء الانتصار للنبي المختار صلى الله عليه وسلم تتردد ليس في أرجاء العالم الإسلامي فحسب بل في أصقاع العالم كله، وثمة أمور كثيرة يمكن أن تكون مداخل لمزيد ومزيد مما نحتاج إليه من التعلق بديننا والإتباع لنبينا صلى الله عليه وسلم، والتوحد فيما بيننا، والسعي لنهضة أمتنا وغير ذلك.
حتى إن المرء ربما كان يتمنى أن لو كان في مثل هذه الأسابيع أكثر من جمعة ليكون هناك اتصال وتوضيح لمثل هذه الموضوعات، ومع التزاحم جعلت حديث اليوم عن المقاطعة .
ذلك الحدث الأبرز الذي تجددت انطلاقة شرارته مع تلك الإساءة البذيئة القبيحة التي انطلقت من بعض دول أوربا وعمت بعضها الآخر في صور إعلامية معروفة .
وحديثي عن المقاطعة أجده مهمًّا أيها الأخوة الكرام ؛ لأن هذا العمل والأسلوب يختلط فهمه عند بعض الناس، وإن كانت الغالبية العظمى تراه نافعا ومفيدا، وتراه صحيحًا ومشروعًا، وتراه نافعًا ومؤثرًا ، وتأخذ به عملًا وواقعًا، إلا أن قلة قد نقسمها إلى قسمين:
قسم لديه ضعف وجهل، فهو يخشى من الآثار وهو ينظر من زوايا ومنطلقات خاطئة.
وأما القسم الثاني: وهو قسم المرجفين والمنافقين، المتحدثين بلسان الأعداء والمعتدين، ولذا وجدت أن هذه الوقفة مهمة، وأبدأها بالتأصيل .. فنحن أمة لا تنطلق إلا من الوجه المشروع ، ولا تعمل إلا ما له أصل أو دلالة في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو أردت أن أتحدث في هذا الموضوع وحده لطال المقام في ذكر الأصول الشرعية والمبادئ الإسلامية التي تتصل بالمقاطعة.
وأولها: الولاء والبراء
الذي أرجف المرجفون به كثيرا وحذروا منه كثيرا، لماذا؟ لماذا كل تلك الحملات الماضية عن الولاء والبراء؟ لأنه يغتال - في المسلم فردًا وفي المسلمين أمة - قدرتهم وقوتهم على مواجهة أعداءهم ، ومعرفة حقائقهم ، وبيان ما ينبغي من الواقف إزاءهم، ولذلك حذرونا منه وأردفوا على مناهجنا لأجله، قالوا: لأنه يدعوا إلى العنصرية، ويدعوا إلى الإرهاب وغير ذلك مما قالوه، ولست بقاضٍ في هذا المقام أن أستوفي الحديث عن هذا الأمر، ولكني أقف مع آية واحدة لعل الوقوف معها يشير إلى ذات الحدث الذي نتحدث عنه، يقول الحق جل وعلا:
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } .
أليست الآيات متناولة لهذا الذي نراه ونحن نتحدث عنه ؟ أليس هذا استهزاء بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وانتقاص لدين الإسلام وامتهان لأمة المسلمين ..
{يا أيها الذين آمنوا } نداء من ربكم تتلونه في آيات قرآنكم .. قال عنه ابن مسعود:"إذا سمعت {يا أيها الذين آمنوا..} أرعها سمعك، فإنها إما أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه".
{لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } أليس هذا استهزاء وتلاعب وتنقص وسخرية بالدين وبسيد هذا الدين ونبيه عليه الصلاة والسلام.
ثم يقول جل وعلا: {من الذين أوتوا الكتاب والمشركين أولياء}
ثم يقول: {واتقوا الله إن كنتم مؤمنين}
وهذا التذييل في آخر الآية عظيم ودلالته كبيرة، قال السعدي رحمه الله في تفسيره -عند تعليقه على هذا الموضع من الآية- قال:"فإذا علمتم أيها المؤمنون حال الكافرين وشدة معاداتهم لكم ولدينكم، فإذا علمتم ولم يعادهم بعد هذا -أي المسلم- دل على أن الإسلام عنده رخيص، وأنه لا يبالي بمن قدح فيه أو قدح بالكفر والضلال، وأنه ليس عنده من المروءة الإنسانية شيء، فكيف يدعي لنفسه دينا قيما وأنه الدين الحق وما سواه باطل، ويرضى بموالاة من اتخذه هزوا ولعبا وسخرية وبأهله من أهل الجهل والحمق".
وقال ابن كثير رحمه الله:"أي اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء".
{إن كننتم مؤمنين} أي بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ولعبا، فإن كنا نؤمن بالله ونؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم، ونؤمن بهذا الدين العظيم وأحكامه وتشريعاته فإنه لا بد من وقفة ولاء وبراء حقيقية مع من يتعرض له بالعداء أو يمسه بالتنقص والاستهزاء والحق جل وعلا يقول: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } .
القائل رب الأرباب العالم بكل الأحوال ، المطلع العالم بغيب السماوات والأرض.
{ولا يزالون} بصيغة المضارع الدال على الاستمرار، ونحن رأيناه اليوم في حدث، نحمد الله أن جعله سببا في يقظة الأمة لكن قبله كانت أحداث وأحداث وتلته كذلك أحداث وأحداث وربما ستتلوه كما هو ظاهر أحداث وأحداث، إذا فالمسألة ظاهرة بينة.