وأمر آخر في التأصيل وهو أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وتلك قاعدة فقهية معتبرة عند أهل العلم، أليست تلك مفسدة في الاستهزاء والتنقص بالدين والمصلحة أن نأكل طعاما، نستطيع أن نستغني عنه، والمصلحة أن تكون هناك أرباح من وسخ الدنيا وأموالها وذهبها وفضتها وغير ذلك .
إن درء مفسدة الاستهزاء بالدين والانتقاص منه أعظم وأجل من جلب مصلحة هنا أو هناك حتى وإن كانت بعض المصالح الدبلوماسية أو المظهرية وغيرها.
وأمر ثالث كذلك، النظر إلى المآلات وهي مسألة مهمة أيضا، قال ابن الهمام الحنفي في بعض المسائل تشبه مسألتنا هذه، قال:"لا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ولا يجهز إليهم"وقال الشارح:
"وكذلك الحديد لأنه أصل السلاح".
ومن هنا منع أهل الفقه أن يباع العنب لمن يعلم أنه يتاجر بصناعة الخمر، لا تقل وتضحك على نفسك إنني أبيعه عنبا ما دمت تعلم ما سيؤول إليه الأمر، واليوم تشتري وتدفع مالا وأنت تعلم أن المال على سبيل المثال عند الصهاينة الغاصبين المعتدين سيصبح رصاصا في رؤوس إخواننا المسلمين وسيصبح نارا تشتعل في المسجد الأقصى وغير ذلك، فهل هذا من الدين أو من الفقه في شيء.
ورابعة وهو: واجب النصرة
{إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}
أليس من نصر الله نصر دينه ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم:
(الدين النصيحة قلنا لمن، قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ؟
وعندما شرح العلماء أنواع ذلك النصح كان من ضمنها الذب والانتصار عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وعن كتابه، وعن المسلمين أفرادا وأمة وجماعات.
ويقول الحق جل وعلا: {وإن استنصروكم فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق}
ألسنا نرى أن إخواننا الذين احتلت أراضيهم واغتصبت نساءهم، ودمرت بيوتهم أليسوا يستنصروننا، فإن عجزنا أن نكون معهم بصدورنا ونحورنا وأن نكون معهم على ثغورنا لأن ثغورهم ثغور إسلامنا وعقيدتنا، فهل يصلح بعد ذلك ألا ننصرهم بمنع القوة عمن يصب النار والقتل والدمار على رؤوسهم إنه نوع من النصر اللازم وإلا كنا قد انبتتنا عن حبنا وعن إخوتنا وعن ولاءنا وعن نصرتنا لإخواننا المسلمين.
لو أنك رأيت أخًا من إخوانك المسلمين هنا وثمة من يعتدي عليه أمام عينيك بظلم ؛ فإنك تنبري للدفاع عنه، لكنك إن لم تستطع اتخذت أي أسلوب يحول بين هذا الاعتداء وتكرره أو وقوعه، وهذا من هذا والأمر فيه ظاهر وبين، وفي حق نبينا صلى الله عليه وسلم، قال الحق جل وعلا: { إلا تنصروه فقد نصره الله } .
فهل مثل هذه المقاطعة على قلتها ومحدوديتها نظن بها أن ننصر بها رسولنا صلى الله عليه وسلم، وننتصر لعرضه وشخصه ومقامه وقدره وعظمته عليه الصلاة والسلام، أفنشتري مالا أو نشتري بضاعة ممن يقوم بهذا الفعل، ولست برائد الآن الدخول في الشبهات فيقال: ليس هؤلاء الذين فعلوا وليس هذا الذي فعل، وأعجب من هذا فإنني أقول إن الحروب العسكرية لا تقوم بها أمة كاملة يقوم بها الجنود، فهل نقول إذا ما ذنب الذين وراءهم، لن أقاتل إلا من جاء برصاصه ليقتلني، طيب من أعده ومن دربه ومن موله ومن أعطاه ومن شجعه ومن ضل بإعلامه يناصره، إنها صورة ساذجة وقضية كما سأقول ينقضها الواقع.
ومن التأصيل الشرعي أيضا قوله جل وعلا: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} .
أليس التعاون على مقاطعة من أساء للإسلام وأهله ولرسوله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، ومن اعتدى على المسلمين بأي عدوان، أليس هذا من التعاون على البر، وترك التعاون على الإثم، أفنريد أن نكون كأنما نحن مكملين أو زائدين في سواد الأعداء، ألا يكفي الإسلام وأهله كل هذا العدوان والإجرام الذي يملأ أقطار الأرض كلها في وسائل الإعلام التي نعرفها، ثم بعد ذلك يمكن أن نكون نحن مع هذا، أو على أقل تقدير قد أخرسنا ألسنتنا وأعمينا عيوننا وصممنا آذاننا وقبضنا أيدينا فكأننا لا حياة لنا، وكما قال السعدي فيما ذكرت:"فإن من فعل ذلك فإنه خال من المروءة الإنسانية"
كيف لا ينتصر المرء لدينه ولنبيه صلى الله عليه وسلم، ولأمته ولإخوانه المسلمين، ثم نجد بعد ذلك أيضا أمرا مهما، وهو الجهاد الكلمة والمصطلح الذي كان شن الحرب عليه والإرهاب منه أعظم حتى من الولاء والبراء، والله عز وجل كم من الآيات التي قرن فيها بين الجهاد بالأموال والأنفس وكان تقديم الجهاد بالمال على الأنفس في كل تلك الآيات، لماذا؟ للدلالة على أن الجهاد المالي سواء كان بذلا أو منعا هو من أسباب بذل الجهد في نصر الإسلام والدفاع عنه ورد عدوان أعداءه، ومن هنا أيضا نجد النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح يقول: (جاهدوا المشركين بألسنتكم وأموالكم)
جهاد، فلماذا نستخدم كل الأسلحة وسيأتي ذكر استخدامها .