فهرس الكتاب

الصفحة 736 من 27345

إن أخطر ما يحاول دعاة التغريب والماديون وأصحاب الفلسفات أن يقولوا أنهم إنما يصدرون فيما يقولون به من نظريات وأيدلوجيات ومذاهب على أساس عملي لا يقبل النقض، ونحن نعلم أن هناك فارقًا بعيدًا جدًا بين العلم وبين الفلسفة وبين معطيات العلم التجريبي القائمة على البحث والتجربة على النحو الذي يتم داخل المعامل وبين الفرضيات التي لم تؤكدها التجربة بعد. أو التي قال بها العلم في محلة ما ثم جاءت تجارب أخرى غيرت هذه المسلمات وتخطتها، ذلك أن الخطأ والخلط إنما يجئ نتيجة تبني الفلسفات لبعض مؤثرات العلم أو نظرياته ونقلها من مجال العلم التجريبي أو من مجال الدراسات البيولوجية ودراسات الطبيعة إلى مجال المفاهيم الإنسانية وقضايا النفس والاجتماع والأخلاق. بينما لا تصلح أساليب العلم التجريبي في التطبيق على شئون الإنسانيات من نفس واجتماع وأخلاق، هذه التي يجب أن تدرس وفق منهج آخر غير مناهج العلوم المادية.

إذا اتضح هذا المعنى أمكن النظر في سهولة ويسر إلى ذلك الحشد المتعدد من المصطلحات والمفاهيم التي تختلط بين العلم وبين الفلسفة، أما في مجال العلم فهي تدرس دراسة خالصة، وأما في مجال الفلسفة فإنها تخضع لكثير من الأهواء والدوافع.

وقد ظهرت نظريات متعددة في مجال العلم البيولوجي ثم لم تلبث أن نقلت إلى مجال العلوم الاجتماعية كحقائق مسلمة، ومن ذلك مفهوم التطور ومفهوم تنازع البقاء، وقد تبين من بعد أن تقبل هذه الفرضيات ليس سليمًا على إطلاقه وأن تطبيقه في المجال الاجتماعي ليس صحيحًا دائمًا.

ومن العجب أن النظرية المادية قامت من بعدها النظرية الماركسية على فرضية كشفت أبحاث العلم من بعد خطأها، قامت النظرية المادية وكذلك الماركسية على أساس القول بأن الحياة كلها من عقلية ونفسية وسلوكية صادرة من مادة عضوية، وهذه الفرضية لا تعد الآن من الحقائق العلمية، ومعنى هذا أن أساس الفلسفة المادية والنظرية الماركسية قد انهار من الأساس. كذلك فإن القول بالتطور المطلق الذي جعله هربرت سبنسر مفهومًا اجتماعيًا قد سقط نتيجة لمفهوم آخر أصلح منه هو مفهوم الثوابت والمتغيرات، كذلك فإن فكرة الجوهر الفرد التي قامت عليها الفلسفات سقطات بنظرية النسبية وظهور مفهوم الطاقة التي تتحول إلى مادة والمادة التي تتحول إلى طاقة، كذلك فإن نظرية النسبية نقلت إلى المجال الاجتماعي القول بنسبية الأخلاق وارتباط القيم الأخلاقية بالمجتمعات والعصور، وهذه النظرية وجدت معارضة شديدة؛ لأنها تخالف الفطرة طبائع الأشياء. كذلك فإن نظرية الجبرية التي حاولت بعض المذاهب تطبيقها على التاريخ والحضارات والمجتمع قد تبين فسادها؛ لأنها تلغي التزام الأفراد ومسئولياتهم وتلغي إرادتهم بينما التاريخ كله من عمل الأفراد.

وكذلك تبين خطأ القول بتنازع البقاء وتبين أن تعاون الكائنات أطهر وأقوى وأكبر أثرًا من تنازعها. وأن نظرية تنازع البقاء إنما ظهرت نتيجة ملاحظة محدودة لمجتمع محدود.

ويرجع هذا كله إلى منطلق الفكر الغربي أو الفلسفة الغربية الذي يقصر النظرة على المادة وحدها، بينما ينطلق الفكر الإسلامي إلى أفاق أرحب وإلى نظرة لها أبعاد أكثر وضوحًا وقوة.

فالفكر الإسلامي يؤمن بأن الثبات والتغير من القوانين الطبيعية في حياة البشرية والإنسان وفي الكون نفسه. وأن هناك أفلاكًا ثابتة وكواكب متحركة. وأن لكل شئ إطارًا لا يتغير وإنما تتغير الحركة في داخله.

فالإنسان في صورة خلقه وفي حياته يتحرك داخل إطار واضح محدود منذ الولادة إلى الوفاة، وقد تتغير الأساليب والملابس والوسائل ولكن تبقى القواعد الأساسية ثابتة، النوم واليقظة، والسكن والحركة، والطعام والشراب، هناك قيم ثابتة ولكن أساليب العمل بها تتغير وتتطور من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة حسب الظروف والحاجات.

والإنسان يتغير دائمًا من حيث الحركة ولكن له إطاره الثابت من حيث أصول الحياة والفكر وأصول البقاء.

وكذلك فإن الإنسان يتحرك في الحياة في إطار من القيم والتعاليم والضوابط والحدود. ويخضع لقوانين الأخلاق والتعامل بما يتكامل معه مع مسيرة المجتمع كله، أخذًا وعطاءً، وحيث تنتهي حريته عندما تبدأ حرية الآخرين.

ومن هنا فإن مفهوم الإسلام يقوم على أساس ثبات القيم الأخلاقية والآداب الإنسانية التي هي من أصول ثبات الطبيعة البشرية، وفيما عدا ذلك فإن هناك تغيرًا وتبديلًا وتطورًا دونما انقطاع، هذه القيم الثابتة من الدين والأخلاق والحدود والضوابط هي التي تقي المجتمع الإنساني من الفناء والهلاك، وهي القانون الثابت الذي لا يتغير مع تغير العناصر المختلفة في المجتمع.

وهكذا نجد ثوابت الكون في الطبيعة وثوابت الأخلاق في الإنسان ومتغيرات الكون ومتغيرات الإنسان، وكأنما نظام السلوك الإنساني مطابق لواقع النظام الكوني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت