أ.
د/إبراهيم عوض
نسمع هذه الأيام من بين المنتسبين إلى الإسلام من يعملون على التنقص من هذا الدين العظيم من خلال اتهامه بأنه فكر قبلى بدوى متخلف ، على أساس أنه ظهر في بلاد العرب ذات المجتمعات التى تغلب عليها القبلية والبداوة . وبعض الذين يسمعون هذا الكلام قد يصدقونه،
فليس كل الناس عندهم الوقت للتحرى والتقصى ولا النظرة الناقدة التى تمحص ما تسمعه، وبخاصة إذا كان ظاهر الأمر يمكن أن يوحى للمتعجلين بصحة ما يقال ، وعلى وجه أخص إذا جاء هذا الزعم في مثل ظروفنا الحالية التى لا تخفى على أحد والتى وصل فيها حال المسلمين إلى درك غير مسبوق لا على المستوى العسكرى والسياسى فقط ، بل على المستوى النفسى والفكرى أيضا ، إذ لم يظهر فيهم مِنْ قَبْلُ مِثْلُ هذا العدد الكبير الذى يتبع كل ناعق من مبغضى الإسلام دون فهم أو وعى بما يدبَّر خلف الستار .
إنها عملية انتحار حضارى يجمع بين الغباء والإجرام تقوم بها فئة مارقة تريد أن تجرّ معها بقية الأمة لحساب الأعداء الذين يعملون منذ قرون على تدميرنا وتركيعنا وقطعوا في ذلك أشواطا ، وما زالوا مستمرين في عملية التدمير والتركيع دون كلل أوملل ودون أن يراعوا عهدا أو ذمة.
وبادئ ذى بدء نقول إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يكن بدويا بأى حال من الأحوال ، إذ كان من أهل مكة ، فهو إذن حضرى لا بدوى ، وإن كان هذا لا يعنى التنقص من المجتمعات البدوية بأى معنى ، فهى طراز اجتماعى مَثَله مَثَل طراز المجتمعات الريفية وطراز مجتمعات المدينة وطراز حياة الغابة وطراز حياة الإسكيمو ... إلخ .
ولا يستطيع عاقل أن ينكر التنوع البيئى والاجتماعى الذى تعرفه الكرة الأرضية ، فهو سنة كونية لا يمكن تغييرها ، كما أنه مظهر من مظاهر الثراء الحضارى . ولكم أمدت الباديةُ التاريخَ الإنسانى بالعظيم من الأفكار والرجال، وكان لها دور لا ينكَر في كثير من عمليات التطور الحضارى . ومن الغباء أن ننظر شزرا إلى المجتمعات البدوية في كل الظروف والأحوال .هذه نقطة مبدئية أحببت أن أجلّيها قبل أن أدخل في صميم الموضوع .
والآن نتساءل: إذا كان الإسلام دينا بدويا متخلفا كما تردد الببغاوات التى تقع عقولها في آذانها لا في رؤوسها ، فكيف يا ترى استجابت له كل هاتيك الأمم والشعوب التى دخلت ومازالت وستظل تدخل فيه بإذن الله مع اختلاف بيئاتها ونظمها الاجتماعية عن بيئة البداوة ، ومنها الأوربيون والأمريكان ، فضلا عن العراقيين والمصريين والسوريين والفرس والهنود والصينيين ،
وهؤلاء أصحاب حضارات عريقة لا كالغربيين الذين لم يعرف معظمهم طعم التحضر إلا بعدهم بأحقاب كما هو معروف لكل من لديه أدنى إلمام بالتاريخ ؟ فليفسر لنا الببغاوات إذن ، أو بالأحرى فليفسر لنا أسيادهم الذين يجرّونهم من أنوفهم كما تُجَرّ البهائم ، تلك الظاهرة !
ألا إن هذه شِنْشِنَةٌ استشراقيةٌ تبشيريةٌ معروفةٌ لكل من اطلع على شىء من القىء الذى تقذف به أفواه الحقد ضد دين رب العالمين . والمستشرقون والمبشرون يعلمون قبل غيرهم أن ما يقولونه في هذا الصدد إنما هو إفك من الصنف التافه الرخيص ، لكنهم يعرفون أيضا أن كثرة الطنين به قد يأتى بثمرته بين ذوى العقول القرودية السخيفة والضمائر المنكوسة المهزومة الذين يظهرون بين ظَهْرانَىِ الأمم الضعيفة في أوقات الهزيمة والتحلل ، بالضبط كما يظهر الطفح المرضى على الجلد بسبب اختفاء المناعة أو ضعفها.
وكيف يفسرون يا ترى استمساك المسلمين ، ما عدا هذه القلة المارقة الشاذة ، بدينهم رغم أن المغريات بتركه في المرحلة الأخيرة من تاريخهم كثيرة ؟
كذلك كيف يشرحون لنا السر في أن هذا الدين قد أنتج حضارة من أبدع وأغنى ما عرفته البشرية من حضارات ؟ ولست هنا بسبيل تعداد المنجزات الحضارية التى أبدعها الإسلام في كل الميادين ، ولكنى أكتفى فقط بالإيماء إلى ما اقتطفته أوربا من ثمار هذه الحضارة واتخذت منه منطلقا للخروج من وهدة التخلف التى كانت مرتكسة فيها حين كان المسلمون يجسدون المثال الأعلى في المدنية والثقافة على السواء ، ثم شرعت تضيف إليه بعد أن رسخت قدمها في مضمار العلم والاختراع حتى صارت إلى ما هى عليه الآن ، وأخذت تعمل على ألا يعود المسلمون كما كانوا مدنية وعلما وقوة
.أهذا كله إنتاج بدوى قبلى ؟ إن كان الأمر كذلك فمعنى هذا أن القبلية والبدوية شىء عظيم لا يعاب ، اللهم إلا ممن في قلوبهم مرض ! ويا من تتشدقون بازدراء الإسلام من ببغاواتنا المنكوسة المنحوسة ، ها أنتم أولاء تعيشون في مجتمعات حضرية ، فما الذى يمنعكم من أن ترتقوا وتقوَوْا وتقضوا على المشاكل التى تعانى منها أممكم وتناطحوا أمم الغرب التى أذاقتكم الويل والهوان ؟