هدى برهان قرقور
بسم الله الرحمان الرحيم.
والحمد لله رب العالمين الذي هدانا لهذا الدين وجعلنا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتسبح للقدوس العزيز. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله أرحم الراحمين. اللهم ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. اللهم صل وسلم على حبيبك المصطفى محمد خير الأنام ..وأشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله.
قال الله تبارك وتعالى:"إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون"النور: 19صدق الله العظيم. وقال جل شأنه:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لاتعلمون"البقرة: 29
إن الإنسان الذي خلقه الله تبارك وتعالى هو ذلك الحيوان الإجتماعي، أو ذو النزعة الإجتماعية، أو ذو الإستعداد لبناء علاقات اجتماعية وللتعاون الإختياري مع غيره من بني نوعه، أو ذو الإستعداد لصنع ثقافة وحضارة، أو هو الحيوان التقني الصانع الذي يصنع التقدم ويثري الحياة التي حوله.1
والإسلام قد اعتنى بتهذيب نفس الإنسان أيما تهذيب، ولهذا فهو يرفض في الإنسان القوة المادية التي لا ترتبط بالإيمان والأخلاق والرحمة، ولا يرضى للإنسان أن يكون قويا في بدنه، ولكنه قزم في روحه، ضحل في عقله وتفكيره. ولا يقبل الإسلام ما يذهب إليه الماديون والملحدون الذين ينتهي بهم المطاف أن يكونوا أجسادا بلا أرواح، وحيوانات في دنيا الناس - من الإعتقاد بأن الإنسان نبات أرضي لا رب له، ولا حساب ينتظره، لأن الحياة في نظرهم إحساس عارض يبقى في كتلة من اللحم والعظم لبضع سنين ثم يتلاشى إلى الأبد.
إن البعد الجسمي أو الجسم - في نظر الإسلام - هو أمانة عند الإنسان، من واجبه أن يحافظ عليه ويلبي احتياجاته من الغذاء الكافي والنوم الكافي والراحة والملبس اللائق النظيف والمسكن اللائق والأثاث المريح والمنكح الحلال والتداوي من المرض والتمتع بما أحل الله من الطيبات في حدود العرف الإجتماعي الذي يكون سائرا وفق شريعة الله تبارك وتعالى.
والنصوص الدينية التي تعترف بحاجات البدن وتدعو إلى تلبية هذه الحاجات في حدود الإعتدال ومراعاة قيم الدين والعرف السائد، وتنهى عن التفريط في حق البدن وعن الإفراط والإسراف والتبذير والشره والتكبر والطمع والإنفلات من القيم الدينية والخلقية وعبادة المال وحب الظهور وتجاوز المألوف، كثيرة ومتنوعة، نذكر منها على سبيل المثال:
قوله عز وجل:"وابتغ ما آتاك الله في الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا"القصص: 77.
وقال تبارك وتعالى:"فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله"الجمعة:10
وقال جل شأنه:"ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون"الأعراف:10
وقال تعالى:"يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم"المؤمنون: 51
وقال جل جلاله:"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا"الإسراء:29
وقال صلى الله عليه وسلم:"إن لبدنك عليك حقا"وقال:"طلب الحلال جهاد، وإن الله ليحب العبد المحترف".
وقال صلى الله عليه وسلم:"كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف و لامخيلة"
وقال صلى الله عليه وسلم:"عباد الله تداووا"رواه أصحاب السنن.
وقال صلى الله عليه وسلم:"لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه. قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق"رواه أحمد والترمذي.
وقال صلى الله عليه وسلم:"ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضى والغضب"ذكره المقدسي في مختصر المنهاج.
وفي نظر المقدسي أن شهوات النفوس لم توضع إلا لفائدة، وليس المطلوب صدها على الإطلاق، لأن في ذلك إضرارا بالنفس وإهدارا لحق من حقوقها."إنما المذموم فضول الشهوات وطغيانها. وثمة قوم لم يفهموا هذا القدر، فأخذوا يتركون كل ما تشتهيه النفس. وهذا ظلم لها بإسقاط حقها، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"إن لنفسك عليك حقا"."
وهكذا يتبين أن الإسلام يعترف بأهمية البعد الجسمي والمادي في الإنسان ويعترف بحاجات الجسم وحقوقه، بل يدعو إلى تلبية حاجاته والمحافظة على حقوقه في حدود الإعتدال والقيم والتعاليم التي أتى بها، لأنه يريد للإنسان المسلم أن يكون صاحب جسم قوي جلد قادر على العمل والإنتاج وتحمل مشاق الحياة وتأدية الفرائض والشعائر الدينية.1