فهرس الكتاب

الصفحة 19058 من 27345

لقد كانت الرأسمالية القديمة محتشمة نوعًا ما، حينما كان يقول منظِّرُوها:"لا ينبغي أنْ يتجاوز الدخل الشهري لصاحب العمل أكثر من خمسٍ وعشرين مرة من راتب العامل"، أما الآن في زمن الرأسمالية (المتفردة في السوق) فقد تجاوز دخل صاحب العمل أكثر من ألفين وخمسمائة ضعف من راتب العامل كما تقول آخر التقارير [3] ، أي إذا كان دخل العامل في الشهر ألف دولار؛ فدخل صاحب العمل قد تجاوز أكثر من اثنين مليون ونصف دولار في الشهر، هذا مع ازدياد ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة بشكل مستمر .

وهنا تكمن المشكلة والمرض العضال للمجتمع الرأسمالي الجشع والذي فقد كل معاني الأخلاق والإنسانية . فمع ازدياد المال في يدي قلة من الناس، وازدياد عدد الناس في دائرة الفقر، إضافة إلى الحرمان وارتفاع الأسعار وصعوبة العيش، كل ذلك كان ينذر بثورة مرعبة تأكل الأخضر واليابس !!

ولهذا اندلعت في هذه الأيام في ضواحي مدن فرنسا ثورة للفقراء، بعد أن طال عليهم الجوع والقهر والحرمان، وهم من المهاجرين الذين جيء بأجدادهم في الخمسينيات كأيدي عاملة رخيصة، وبنوا فرنسا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية بسواعدهم وعرق جبينهم، بعدما قاتلوا وقتلوا من أجلها، فنالوا الجنسية باستحقاق، ولكن من الدرجة الثانية ! وتم عزلهم خارج المدن، في أحياء قديمة، مع حرمانهم من التعليم أو مواصلته، مما أدى إلى تهميشهم في فرص العمل، ثم حرمانهم من الخدمات، بل حرمانهم من أدنى متطلبات الحياة الكريمة، وفي المقابل كانت المدن الكبيرة جنة فاتنة في الترف والمعيشة واللذائذ الدنيوية، ينظر إليها المحرمون إما بنظرة الحزن وإما بنظرة الحقد والحسد .

وكان عدد هؤلاء الناس يزداد يومًا بعد يوم، وكان الأمر عليهم يزداد سواءً بعد سوء، حتى انفجرت مشكلتهم بشكل مرعب، وانتشرت شظاياها في كل مكان، وكان هذا متوقعًا أن يحصل في يوم من الأيام، وإن كنا نرفض نتائجها المدمرة من إجرامٍ وحرق واعتداء على الأموال .

ولكننا يجب أن نعترف بأن تلك المأساة هي نتيجة حتمية من نتائج الثورة الفرنسية (ثورة التنوير) التي لم تكن في الحقيقة إلا مجرَّد انتقالٍ للاستعباد والهيمنة من الملوك والإقطاع قديمًا إلى أصحاب رأس المال حديثًا، وليست من أجل العدالة والحرية والمساواة كما يروَّج لها . صحيح أن العبيد الثائرون قد منحو الحرية بالفعل، ولكن بمعناه المدمر، ومنحو شيئًا من العدالة والمساواة، ولكن بشرط ألا تُضرَّ بأصحاب رأس المال .

إن الذي يحصل في فرنسا هذه الأيام إنما هي ثورة من أجل الجوع والقهر والحرمان، ضد الثورة التي كانت ترفع شعار (العدالة والحرية والمساواة) .. الثورة التي كان يتغنى بها - قديمًا - رفاعة الطهطاوي، وكان يمتدحها الشيخ محمد عبده، ويبشَّر بها لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين .. والتي مازالت تدغدغ أحلام الكثيرين من المثقفين العرب !

ــــــــــــ

الهامش:

[1] انظرًا مثلًا:"معالم تاريخ الإنسانية: للمؤرخ الإنجليزي ويلز، و"قصة الحضارة"لويل ديورانت ."

[2] محمد قطب،"مذاهب فكرية معاصرة"ص 203 .

[3] صحيفة الشرق الأوسط، العدد 9842 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت