فهرس الكتاب

الصفحة 13981 من 27345

أ.د ناصر بن سليمان العمر- المشرف العام على موقع المسلم

أولًا: الإرث الحضاري التاريخي لجزيرة العرب

* إن لأهل الجزيرة العربية ثروة تاريخية ثرة (1) ، وإرث حضاري يمتد عبر قرون بعيدة وأزمنة مديدة، يجب أن يستلهموا منه دروسًا، وأن يأخذوا منه عبرًا، للمضي بحضارتهم ورسالتهم قُدمًا.

فجزيرة العرب بها أم القرى، وبيت الله الحرام، ومدينة النبي ومسجده _عليه الصلاة والسلام_ وما بين البيت إلى المنبر، روضة من رياض الجنة (2) :

بطيبة رسمٌ للرسول ومعهد منيرٌ

و قد تعفو الرسوم وتهمد

ولا تمحي الآيات من دار حرمة

بها منبرالهادي الذي كان يصعد

و واضح آيات وباقي معالم

وربع له فيه مصلى ومسجد

به حجرات كان ينزل وسطها

من الله نور يستضاء ويوقد

معارف لم تطمس على العهدآيها

أتاها البلي فالآي منها تجدد

وفيها كان الخلفاء الراشدون، والأنصار والمهاجرون، وبها عقدت رايات المسلمين، وقويت أمور الدين، وأيضًا فإن فيها المناسك والمشاعر، والمواقيت والمناحر:

إذا هَزَّنا الشوقُ اضطربنا لهزه

على شُعُبِ الرحل اضطراب الأراقم

فمن صبواتٍ تستقيم بمائلٍ

ومن أريحيات ٍ تهبُ بنائمِ

وأَسْتَشرِفُ الأَعلامَ حتى يدلني

على طيبها مَرُّ الرياحِ النواسمِ

وهل أنسم الأرواح إلاّ لأنها

تَهبُ على تلك الربى و المعالمِ

كما أنها جزيرة شِعرية، ذكرها الفحول في دواوينهم، فدرسها الشُرَّاح في مصنفاتهم، فإذا قرأتها وجدت زمزم والحطيم، وددًا وأشداخ، ومدافع الريان، وشماريخ رضوى، وبرقة ثهمد، وحومانة الدراج ، وتقادمت فالجبس فالسوبان، وهجر وجواثا، وإضم والجواء، وتهامة والحجاز، والعروض واليمن، واليمامة والرميصاء، بل أرض نجد كلها:

وإني وإن فارقت نجدًا وأهله

لمحترق الأحشاء شوقًا إلى نجدِ

أروح على وجدٍ وأغدو على وجدٍ

وأعشق أخلاقًا خلقن من المجدِ

آخر:

أقول لصاحبي والعيس تخدي

بنا بين المنيفة فالضمار

تمتع من شميم عرار نجد

فما بعد العشية من عرار

ألا يا حبذا نفحات نجد

وريًا روضه غب القَطار

(وربك) إذ يحل الناس نجدًا

وأنت على زمانك غير زار

شهور ينقضين وما شعرنا

بأنصَاف لهن ولا سرار

ولو استطردنا بذكر شيء مما ورد في أشعارهم لطال المقال (3) ، فأي دار من ديارها ما وقفوا عليها؟ وأي أطلال دوارس ماهز بعضهم شوق إليها، وحسبك قول عنترة:

هل غادر الشعراء من متردم ** أم هل عرفت الدار بعد توهم

و فوق ذلك تجد في تلك المصنفات ذكر عشائر الجزيرة وقبائلها وخصائصهم، وأمور دقيقة متعلقة بهم.

وفضلًا عن ذلك فقد كان للحضارات القديمة فيها شأن عظيم، بل إن أول الحضارات البشرية قامت بها وأَهَلتْها، وذلك لمّا بنى آدم _عليه السلام_ بيت الله الحرام (4) فكان أول بيت وضع للناس ببكة مباركًا، وقد ذكر العليم الحكيم في القرآن الكريم عن حضارات الجزيرة العربية ما لم يذكره عن غيرها من الأمم والحضارات التي قامت في شتى البلدان والأقاليم فسادت ثم بادت.

ألا ترى أن جزيرة العرب، أرض معجزات نبوية، ومجال رسالات سماوية ، ففيها بلد سبأ، وسدُّ مأرب، وعرشٌ عظيم، وبئرٌ معطلة، وقصر مشيد، بل سائر بلاد عاد؛ إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي، وأصحابُ الرس، وأصحاب الأيكة، وأصحاب الأخدود، وقبر هود، ودعوة إبراهيم، وحجر صالح، ومدين شعيب، ومرتع إسماعيل، وملجأ موسى، ومهد محمد _صلى الله عليه وسلم_ وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين ومثواه:

فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ** بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد sup> (5)

ثم كانت أرض الجزيرة وطاءً لخير القرون وأديمها لحافًا لجُلِّهم بعد أن غيبوا تحت أطباق ثراها.

وشتان شتان بين قبر لأبي بكر وعمر، وآخر لخوفو وخفرع! بون واسع وفرق شاسع بين روضة من رياض الجنة وحفرة من حفر النار:

لئن تطاول بالأهرام منهزم ** فنحن أهرامنا سلمان أو عمر

ومع هذا كله فأرض الجزيرة العربية تشتمل على حدود جليلة، وكُوَرٍ جسيمة، فهي من أمد الأقاليم مساحة، وأفسحها ساحة، وأعظمها حرمة، وأشرفها مدنًا،"وربك يخلق ما يشاء ويختار" (6) .

لحكمة ٍ بالغة ٍ قضاها ** يستوجب الحمد على اقتضاها

وقد فضل جزيرة العرب على ما سواها جمع ممن عنوا بالأقاليم والبلدان، قال الهمداني:"أفضل البلاد المعمورة من شق الأرض الشمالي إلى الجزيرة الكبرى ... وتسمى جزيرة العرب" (7) ، وقال القلقشندي:".. بجزيرة العرب الواقعة في أواسط المعمورة وأعدل أماكنه وأفضل بقاعه، حيث الكعبة الحرام .." (8) ، قال المقدسي في أحسن التقاسيم:"وهي أمد الأقاليم مساحة، وأفسحها ساحة، وأفضلها تربة، وأعظمها حرمة، وأشرفها مدنًا" (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت