فهرس الكتاب

الصفحة 13370 من 27345

تفسير سورة البروج

الجمعة 18 جمادى الأول 1397 / 6 أيار 1977

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:

فأظن أننا الآن مع المرحلة الأخيرة من مراحل مسيرتنا مع سورة البروج ، وما كان أشهاه إلي وأحب لو يسّر الله تعالى منةً تطيق الصبر على تتبع الدروس الكبيرة التي تضمنتها هذه السورة العظيمة ، وأيًا ما كان فلنقنع بما يسّر ، ولنسأل الله تعالى المزيد من فضله .

أدرنا الحديث في الجمعة الماضية عن الآيتين الكريمتين من سورة البروج وهما قول الله تعالى ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ) وأحسب أن منكم من لاحظ أنني ما عُنيت بشرح الوعيد الشديد المذكور في الآية الكريمة الأولى ، وإنما ركّزت الكلام وسلّطت الأضواء كلها على ما حوته الآية من قول الله تعالى عن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ، وإنما أردت لذلك أن أُبرز هذه القضية لما لها من أهمية حاسمة في أخلاقيات الدعوة ، بل وفي طرائق الدعوة ذاتها .

فينبغي أن لا يغيب عن بالنا أننا نعيش عصر فتنة في الأشياء الفكرية والأنماط المذهبية ، وينبغي أيضًا أن لا يغيب عن بالنا أن رجال الأمة وأخص الشباب منهم يتغايرون بهذه المذاهب والمناهج الفكرية كما تتغاير النساء في أزياء اللباس وتصفيف الشعر أو أشد . وإنما يأتي ذلك دائمًا من فقر الشخصية ، فقد ترى الرجل يعجبك جسمه ويروقك منظره ولكنك إذا بلوته تكشّف لك عن إنسان يرزح تحت فقر مدقع لا يعرف لشخصيته مرجعًا يرجع إليه ، ولا قاعدة يستقر عليها ، ولا غاية ينتهي إليها . وما أقول هذا لأقرّع أحدًا ، ولا لأوبّخ أحدًا ، فأنا واحد منكم ، مررت بالشيء الذي مررتموه ، وعشت الداء الذي تعانون منه ، وكدت أن أكون واحدًا من صرعى هذه المذاهب الضالة الباطلة . ولكن أقول بأناة أن يستيقظ شباب هذه الأمة ويبذلوا من ذوات أنفسهم مجهودات صادقة ومخلصة وأمينة بغية اكتشاف حقيقتهم ومعرفة معنى وجودهم وغاية الاستخلاف التي أكرمهم ربهم جل وعلا به .

ولا بد أن أذكّر الإخوة جميعًا بأننا إذا كنا في الأربعينات والخمسينات نفتقر إلى مردود جيد من التجارب ونحتاج إلى وقود لا بأس به من المحن والبلايا والمصائب والكوارث ففي ظني أن إخوتنا اليوم يملكون بين أيديهم من حاضرهم المشهود وماضيهم القريب جدًا ما يكفي لإقناع من أراد الله به الخير أن ما مضى كله بلاء ، وأن ما يتعاجب به الناس اليوم فشؤم وشر ، وأنه مضى الزمان الذي كانت فيه الأمة تُختدع بصداقات ذات ظاهر برّاق ووعود خلابة بعد تكشف الناس جميعًا في كل أركان الأرض عن عداوة مرّة لا يغسلها الماء ، لا من حيث أنها بشر ينطقون العربية فذلك شيء لا أهمية له ، وبين أمم الأرض من يعدّ أضعافنا وأضعاف أضعافنا لا يؤبه لهم ولا يقيم لهم أحد وزنًا ، ولا لأننا نملك الخيرات ونجلس فوق بحر عائم من البترول والخامات ، فقد ينبغي أن يعلم الإخوة وعلى الأخص من أخذ شيئًا من العلوم والتقدم العلمي أن هذه الثروات الطبيعية التي قضينا من عمرنا زمانًا ونحن نلوح بها ونهدد ونرعد دون أن نستخدمها ، هذه الثروات الطبيعية لم يعد لها وزن في تقرير مصائر الشعوب ولا في رسم مخططات السياسة التي تخطط لعشرات السنين .

إن العداء الأصيل مع عقيدة هذه الأمة ، الخصومة مع الإسلام وليست مع العرب من حيث هم عرب ، ولا مع سكان الشرق الأوسط من حيث هم سكان الشرق الأوسط ، وليس معركة قواعد تستخدم في الحروب ، فيجب أن يعلم ابن الشعب العامي أن هذا الكلام الذي يسمعه لا قيمة له ، إن القواعد أيضًا فقدت قيمتها بعد غزو الفضاء ، كل ما في الأمر أن الصراع الآن يتمثل بين حضارتين: حضارة تحمل الإسلام وإن كان أهلها نُوّمًا لا يكادون يهتمون بها ، وحضارة تجمع كل ما خلق الله من أوشاج عبدة الشر وعبدة الفروج والعقول ، الصراع هذا وكل كلام سواه فهو باطل وأكذوبة ليس في حق أمة ولكن في حق العلم وفي حق المستقبل . من أجل هذا كنت شديد الحرص بكل أحاديثي الماضية على إبراز المعالم الأساسية التي غابت عن أعين أبناء الأمة بعد سُدّت آذانها وعُميّت الأعين ، بعد الضجيج الذي لا يريد أن ينتهي يروّج للمذهب الفلاني ويدعو إلى المنهج الفلاني ويرفع عينًا إلى أعلى عليين لينزل به غدًا إلى أسفل سافلين ، هذه المهزلة التي تكون عذرًا كافيًا ولكن إلى حد ما أمام الشباب الذين ضُلّلوا طويلًا وغُرر بهم كثيرًا ، ثم آن أن يواجهوا مسؤولياتهم ، ويعملون على أن يأخذوا بين أيديهم أزمّة مصائر أمتهم دون أن يتركوها للأبالسة الذين يخططون من الخارج ، وصغار الأبالسة الذين يعبثون في الداخل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت