تدل الدراسات الموضوعية في علم وفن الحرب الحديث أن لكل حرب قديمة أو حديثة صفات أو مميزات عسكرية بارزة تميّزها عن غيرها من الحروب حتى التي جرت أحداثها في نفس الحقبة التاريخية. والفتوحات الإسلامية التي بدأت بانتهاء حروب الردة في عهد الخليفة الصحابي الجليل"أبو بكر الصديق"رضي الله عنه وتوقفت إثر عملية فتح القسطنطينية على يد السلطان"محمد الفاتح"رحمه الله، تميزت بخصائص عسكرية معينة وصفات استراتيجية بارزة من أهمها: تبني عقيدة الجهاد في سبيل الله، والالتزام الدائم والدقيق بمباديء الحرب، ووحدة القيادة ومركزيتها، وتنسيق التعاون بين الجبهات، وبين القوات على الجبهة الواحدة، وتطبيق رائع لاستراتيجية نظرية الردع الإسلامية، وتوجيه الضربات الاستباقية المسبقة والمحضرة، وترجيح العامل المعنوي، والالتزام الدقيق بإنسانية الحرب.
وفي هذا المقال الموجز سنستعرض ـ إن شاء الله ـ لمحة مختصرة عن الفتوحات العربية الإسلامية أولًا، ثم ندرس كل مزيَّة من هذه المزايا الإيجابية العسكرية كل على حدة.مُراعين في ذلك نوعيَّة الأسلحة ووسائط الصراع المسلح في تلك العهود التأريخية، وكذلك تنظيمات وترتيبات قتال القوات الإسلامية، وأساليب خوضها للمعركة والموقعة التي كانت متبعة في تلك الحقبة الزمنية، وتطويرها لتلك الأساليب القتالية، ومسائل القيادة الاستراتيجية، ومعاملة المسلمين لسكان وأهالي البلاد المفتوحة.
لمحة مُوجزةٌ عن الفتوحات الإسلامية:
ما أن تحققت وحدة المسلمين، بانتهاء حروب الردة، وأصبحت الجبهة الداخلية لدولة الإسلام قوية ومتماسكة، حتى أطلق الخليفة"أبو بكر الصديق"رضي الله عنه جيوش المسلمين لفتح بلاد الشام والعراق ومصر سنة 12هـ (633م) ، وفي سنة 92هـ (710م) كان المسلمون قد فتحوا الأندلس غربًا ووصلوا شرقًا حتى خوارزم وسمر قند في آسيا الوسطى،مع احتلال جزر البحر الأبيض المتوسط ما بين قبرص وسردينيا وصقلية ونهايةً بجزر البالتيار، فشكلوا بذلك أعظم دولة عرفها العالم القديم، خلال فترة قياسية من الزمن. وكان العامل المعنوي هو العامل الأساسي فيما تم احرازه من انتصارات رائعة. ولهذا فقد ظهر هناك شبه إتفاق بين المؤرخين والباحثين على تمييز الحروب الإسلامية بصفة"حروب الإيمان"أو"حروب جيوش المجاهدين في سبيل الله". وكانت هذه الفتوحات الإسلامية قد سارت كما يلي:
أـ لقد بدأت هذه الفتوحات عندما أطلق الخليفة"أبو بكرالصديق"رضي الله عنه أربعة جيوش لفتح الشام وخصص لكل جيش منها منطقة عملياته، فكلف"أبا عبيدة بن الجراح"رضي الله عنه بقيادة جيش وخصص له منطقة (حمص) للعمل فيها، ووجه جيشًا بقيادة"يزيد بن أبي سفيان"وخصص له العمل في منطقة (دمشق) ووجه جيشًا ثالثًا بقيادة"شرحبيل بن حسنة"وخصص له (الأردن) منطقة عمله. أما الجيش الرابع فكان بقيادة"عمرو بن العاص"وحددت له (فلسطين) لتكون مسرح عملياته. وكانت قوة كل جيش من هذه الجيوش تتراوح بين ستة آلاف، وثمانية آلاف مجاهد. كما أن الخليفة الأول قد وَجَّهَ أيضًا قوة بقيادة"خالد بن سعيد"لتكون رداء حماية لجيوش المسلمين عند انطلاقها للفتح وأمره بأن يمكث"بتيماء"وألا يبرحها.
عندما علم الروم ـ البيزنطيون ـ بتحرك قوات المسلمين إلى الشام زجوا في مواجهة كل جيش من جيوش المسلمين، جيشًا في ستين إلى تسعين ألف مقاتل. ووجد قادة الجيوش في الشام أنه من الصعب عليهم مجابهة القوى الرومانية المتفوقة فتكاتبوا وكتبوا إلى أبي بكر الصديق فأمرهم بالتجمع، وانسحب المسلمون إلى (أذرعات) ومنها إلى اليرموك.
ب ـ وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد بعث إلى العراق جيشين أولهما بقيادة"خالد بن الوليد"رضي الله عنه، وثانيهما بقيادة"عياض بن غنم"وكتب لهما بأن يبدأ خالد من الجنوب، وأن يبدأ عياض من الشمال وحَدَدَ لهما"الحيرة"لتكون نقطة التقاء الجيشين.
وسارت عمليات فتح العراق بنجاح مطرد، غير أن قيام الروم بحشد قوات ضخمة في مواجهة جيوش الشام حمل الخليفة أبا بكر على إعطاء الأفضلية الأولى لمسرح عمليات الشام. فأمر خالد بن الوليد باصطحاب نصف جيشه الموجود في العراق والسير به لنجدة جيوش الشام. ولكن الموقف على جبهة العراق لم يلبث أن تدهور. وجاء قائد جيش العراق"المثنى بن حارثة الشيباني"إلى المدينة يطلب دعم الخليفة، فقابل أبا بكر الصديق وهو على فراش الموت، فاستدعى عمر بن الخطاب وأمره بأن يندب الناس مع المثنى .