سامي الماجد 11/6/1426
فقد مُلِئ هذا الكون الفسيح دلائلَ وآياتٍ، تدل بعظمتها على العظيم سبحانه، ويكشف ما فيها من عجائب الخلق وبدائعه قدرةَ الخالق وجميلَ خلقه وإتقانَ صنعه (صنع الله الذي أتقن كل شيء) . وإتقان صنعه يتجلّى لنا في كل شيء في هذا الوجود الفسيح، فلا فلتة ولا مصادفة ولا خلل ولا نقص، ولا تفاوت ولا نسيان. ويتدبر المتدبر آثار صنع الله المعجز، فلا يعثر على خَلَّةٍ واحدة متروكة بلا تقدير ولا إتقان؛ فكل شيء بتدبير وتقدير يُدهش العقول التي تتابعه وتتملاه.
ويربط القرآن بين القلب ومشاهد الكون؛ لينبه الحس الخامد، والقلب المغلق، إلى بدائع صنع الله المبثوثة حول الإنسان في كل مكان؛ كي يَقْدُرَ اللهَ حقّ قدره، ويُجِلَّه حقَّ جَلالِه، ويشاهدَ عظمتَهُ في بدائع صنعه، ويشعرَ به كلما وقعت عينه على آية من خلقه؛ ويتصلَ به في كل ساعة تفكُّر ولحظةِ تأمُّل.
وتتابعتْ آي التنزيل تدعو الإنسانَ للتفكر في ملكوت السموات والأرض، وأن يعيد إليها النظر كما لو كان يراها أول مرّة؛ بحسٍ مرهف وقلب يقِظٍ وعين مبصرة؛ ليلحظ ما فيها من آيات الإبداع والإتقان، وما تصوِّره أجرامها من عظمة الخالق وقدرته وحسن تقديره، فيزداد إيماناً به، ومهابةً له وتوقيراً.
ويتجدد له هذا الشعور تُجاه خالقه كلما جدد النظر في أجرام الكون الفسيح بقلب شاهد وبصر نافذ وحسِّ متيقّظ (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37] لنستمع إلى دعوة القرآن للتفكر في هذا الكون: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) [يونس:101] . (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ...) [الأعراف: من الآية185] ، (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ...) [سبأ: من الآية9] ، (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف:105] . وكما يصِلنا التفكر في هذا الملكوت العجيب بالخالق -جل جلاله- فإن التفكّر في هذا الملكوت وفي تقلّب الليل والنهار واختلافهما، وفي تعاقب فصول السنة، وما يتبع ذلك من حياة النباتِ ثم إيناعِه واخضرارِه ثم يُبسه وموته؛ ليصِلُنا بعالم الآخرة ويذكِّرنا بها؛ حتى ليتخيَّلُ لنا مشهد البعث والعرضِ الأكبرِ يوم القيامة، ومشهدُ الجنة والنار في نظرات التفكر هذه.
(إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) . [يونس:6] . وكيف يكون التفكّر في ذلك باعثاً على التقوى لولا ما في اختلاف الليل والنهار وبديع خلق السموات والأرض من إيماء وتذكير بالآخرة.
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:190-191] . وتأخذنا الدهشةُ أمام هذا الارتباط العجيب بين التذكّر والتفكّر، تذكرِ النار عند لحظات التفكر في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) ، أيُّ مناسبة تلك التي اقتضت هذا الارتباط العجيب بين المشهدين: بين مشهد السموات والأرض ومشهدِ عذاب النار؟! ويا لله العجب كيف قادهم هذا التفكر في ملكوت السموات والأرض إلى تذكر الآخرة وما فيها من العذاب الشديد؟!
أما إنه لتفكرٌ فريدٌ ، هو أعمق أثراً، وأطول تأملاً، وأرق مشهداً، وأرهف حساً، وأوسع تدبراً، إنه تفكّر انفرد به نظر أولي الألباب المتحفِّزة لكل مشهد من مشاهد عظمة الله لا كنظر الغافلين، الذين يمرون بالآيات، وهم عنها معرضون، وينظرون إلى بديع هذا الخلق العجيب نظرَ مَن ألفه حسه، بتكرّر منظره فلم يَعُدْ يتيقّظ له.
إن التفكر في هذا الملكوت وفي تعاقب الليل والنهار وحركة الأجرام وتتابع فصول العام لهو عبادة تزيد الإيمان وتذكر بالآخرة، وتملأ القلب من تعظيم الله ومهابته.