مدينة لا تنحني لا تستسلم مهما كانت قوّة الزلازل، مدينة لا تأكل من ثديها كما يقتات عبّاد المناصب، مدينة تعلمنا أن الحرية لا تستورد عبر فوهة المدافع، وأن التغيير لا يكون عبر الإنزال والاغتصاب وتهديم الجوامع، تعلمنا التمرّد والعصيان والتصدّي لكل غاصب، تعلمنا أن عبّاد الهزيمة لا مكان لهم إلا في المزابل، مدينة تعلمنا أن المعارضات المستوردة مثلها مثل أحذية العساكر، وأن المعارضات المدجّجة لا يمكن أن تكتسب الأصوات ولا الضمائر، تعلمنا أن المتحالفين مع الاحتلال مصيرهم مصير""
بقلم الطاهر العبيدي
مفردات صاحية تخترق صهيل المدافع وسعال الرشاش، حروف سمراء تدوس الهوان العربي وتنتفض على الزكام الرسمي، وتوخز السبات القومي وتتحدّى الغثاء السياسي، كلمات مفخّخة تؤرّخ الوعي القيميي وتنصّ على الشرف الإنساني، وتسجّل قمّة الانتماء الوطني وتنتصر للدم العراقي، عبارات انقلابية على كل التفاسير وكل التحاليل، وكل التهاليل وكل خطب العجز الجنائزي...
جملة فعلية تقدّم الفعل عن الكلام، وتنتصر على واقع الهزيمة والاستسلام، جملة فعلية ذات فعل متعدّي، يعلمنا كيف نكون وكيف يكون الرجال، تعلمنا كيف نعشق الحرية وكيف نتصدّى للغزاة وكل فنون القتال، جملة فعلية تعلمنا أن الصمت وتحمّل الذل رجس من"عمل الجبان"، تعلمنا أن النفوس الأبية ترفض الضيم، ترفض القهر وترفض الاحتلال، جملة فعلية تأبى التكتم عن القهر، عن الذل وعن طراوة اللسان، جملة فعلية توقظ النيام وعبّاد الهزيمة وقراصنة الكلام، جملة فعلية تفعّل النفوس الأبية، وتحوّل الغضب إلى بركان...
جملة فعلية تحوّل الأجساد إلى قنابل، لتوقظ تلك الشريحة القدرية التي تؤمن أن التفوق العسكري لا يقاوم، جملة فعلية ترجّ النفوس والضمائر، وتزرع بذور العربي المقاوم..
جملة اعتراضيه تعترض القنابل العنقودية، تعترض حكومة مزوّرة تماما كما العملة المزورة، تعترض حكومات مزيفة، تعترض وزراء ووزارات مؤنّثة، تعترض أنظمة منصّبة، تعترض معارضات كالذباب متكوّمة، تعترض مرجعيات روحية متفرّجة، تعترض سياسات وبرامج مشوّهة، تعترض انتخابات ستقام على أنقاض مجزرة..
عنوان كل تلك الجدران المنتفضة، عنوان الأزقّة والحارات والشوارع وكل الكلمات الملتهبة، عنوان الكرامة وعشق الأوطان والنفوس المحرّرة، عنوان الرضّع والأطفال والشيوخ والعجائز، والشباب والأرامل والجرحى، وكلّ تلك المدينة التي تتلقى صواريخ الحرية المدمرة..
مكتوبة على جدران الفلوجة، على أبواب المنازل، على أروقة الفنادق، على حيطان المطاحن، على حدود المزارع، على نواصي الأرامل، على خيام القبائل، على شفاه العشائر، في ساحات المساجد، وفي صوت المآذن، لتعلن لخفافيش الظلام أن الليل مهما طال فالفجر قادم.
ارفع رأسك تقول لك الفلوجة، ارفع رأسك لا تنحني، فالموت واحد، والعمر واحد، والوطن واحد، والموت واحد، والرب واحد، فعلى ماذا الذل وعلى ماذا الخوف، وما هذا التخاذل، وما هذا اليأس وهذا التشاؤم، وخذ كفنك وقاوم..
مدينة لا تنحني لا تستسلم مهما كانت قوّة الزلازل، مدينة لا تأكل من ثديها كما يقتات عبّاد المناصب، مدينة تعلمنا أن الحرية لا تستورد عبر فوهة المدافع، وأن التغيير لا يكون عبر الإنزال والاغتصاب وتهديم الجوامع، تعلمنا التمرّد والعصيان والتصدّي لكل غاصب، تعلمنا أن عبّاد الهزيمة لا مكان لهم إلا في المزابل، مدينة تعلمنا أن المعارضات المستوردة مثلها مثل أحذية العساكر، وأن المعارضات المدجّجة لا يمكن أن تكتسب الأصوات ولا الضمائر، تعلمنا أن المتحالفين مع الاحتلال مصيرهم مصير"الحركيين"في ثورة الجزائر، تعلمنا أن الانتخابات الحرّة لا تقام على أنقاض الإبادة والمقابر..
فهذي الحجارة والرمال والطيور والحصباء ترفض التخاذل، وهذي الليالي والأقمار والصوّان والجسور والسدود ترفض السقوط والتمايل.