التعبيرضوابط ومحاذير 10/7/1425
أ. د .ناصر بن سليمان العمر
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فإن الرؤى باب زلت فيه أقدام؛ فمن الناس من يكذب في رؤياه ليضحك الناس أو يجلب الأنظار، وقد قال النبي _صلى الله عليه وسلم_:"من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل". رواه البخاري، فالذي يقول: رأيت في المنام ولم ير، جادًا أو مازحًا يكلف يوم القيامة بأن يعقد بين شعيرتين، بين حبل الشعرة، ومن يستطيعه؟ لن يستطيع أحد ذلك، فالكذب في الرؤى أمر خطير، متوعد صاحبه، فليتق الله أولئك الذين يعمدون إلى إضحاك الناس باختلاق رؤى لم يروها.
ومن المزالق في هذا الباب أيضًا عرض الرؤى على غير أهل التقى والصلاح، بل على الدجالين والمشعوذين الذي يستعينون بالشياطين في التأويل، فقد ثبت أن هناك من يستعين بالجن في هذا الأمر فيخدع الناس، وكما أنك في الفتوى لا تعرض ما لديك من مسائل العلم والشرع إلا على من عُرف بعلمه وفضله وتقواه، فكذلك الرؤيا، ربما ضر عرضها على من لا يحسن تأويلها من المبطلين.
وتعبير الرؤيا فتوى تصدر عن علم وإلهام. يقول الله _جل وعلا_:"وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" (يوسف: من الآية21) . وقال:"أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ" (يوسف: من الآية43) . فهي علم وإلهام وفتوى"وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" (يوسف: من الآية6) ."وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" (يوسف: من الآية21) . ولا يجوز لأحد أن يعبر إذا لم يكن من أهل ذلك العلم، كما قال الإمام مالك: أيلعب بالنبوة؟ وذلك لأن الرؤيا الصالحة جزء من النبوة ففي حديث أبي هريرة ورد أنها جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة وفي حديث عبادة أنها جزء من ست وأربعين جزءًا، فهي جزء من النبوة.
وأقول هذا لأنني رأيت البعض يتعجل، فيقول للرائي: أنا أعبر رؤياك، وهو ليس من أهل التعبير!
ومن الوقفات المهمة التي زلت فيها أقوام، هو أن الرؤيا ليست من مصادر التشريع أو التلقي فلا تستحدث بها بدع فقد كمل الدين، ولا تشرع بها أحكام"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" (المائدة: من الآية3) ، فبعد وفاة محمد _صلى الله عليه وسلم_ وانقطاع الوحي، وقد رأينا من الناس من يقول صلوا في هذه الليلة، واقرؤوا بسورة الأنعام، كما حدث قبل ضرب العراق، استجابة لمنامات وأحلام، وهذا باب خطير فالرؤى لا يؤخذ منها تشريع، والرؤيا إما بشارة أو نذارة، وقد ثبت عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال:"أنه لم يبق من النبوة إلا المبشرات. قالوا وما المبشرات؟ قال الرؤيا الصالحة". رواه البخاري. وقد اجتمعت البشارة والنذارة في تعبير يوسف لصاحبي السجن. عبر للأول أنه سيطلق سراحه ويخرج ويخدم الملك هذه بشارة، وعبر للثاني نذارة، عندما قال:"فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ" (يوسف: من الآية41) ، أنذره من أجل أن يستعد للموت، فلا يتعدى بالرؤيا، ثم إن البشارة أو النذارة نرجوها ولانقطع بها.
ومن الأخطاء في باب الرؤى الخلط في تهيؤ رؤية النبي _صلى الله عليه وسلم_. إن رؤيا النبي _صلى الله عليه وسلم_ حق، فالمرء قد يرى النبي _صلى الله عليه وسلم_ في المنام، وتلك بشارة له،وقد جاء في حديث أبي هريرة قال: سمعت النبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول:"من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي". رواه مسلم. ولكن حتى نعلم أنها رؤيا صحيحة لابد من توافر صفات النبي _صلى الله عليه وسلم_ الثابتة في المرئي، وإلا فليس هو رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وليس كل من ادعى أنه رأى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يكون مصيبًا وإن كان صادقًا فقد يغرر به الشيطان فيتمثل بغير صورة النبي _صلى الله عليه وسلم_ لأنه لا يستطيع أن يتمثل بصورته _عليه الصلاة والسلام_ ثم يزعم أنه النبي، ومن لا يعرف صفات النبي _صلى الله عليه وسلم_ تنطلي عليه الحيلة، ولذلك إذا جاء شخص للمعبر، وقال رأيت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ في المنام، فليسأله عن صفات من رأى، فإن رآها صفات النبي _صلى الله عليه وسلم_، كما هي ثابتة عن النبي _صلى الله عليه وسلم_، وكما نقلها الصحابة، فهو رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، أما إن كان من رآه على غير صفته _صلى الله عليه وسلم_ فليس هو نبينا _صلى الله عليه وسلم_.
التعبير باب من أبواب الفتنة، فليحذر المعبرون من ذلك، وإياكم أن تستغلوا تعبير الرؤى للوصول إلى أسرار الناس دون الحاجة إلى ذلك
ثم هنا وقفات مع أخطاء يقع فيها بعض المعبرين: