فهرس الكتاب

الصفحة 5625 من 27345

وفي التعاهد على الطاعات التطوعية جانب تربوي آخر، وهو مطلوب شرعًا ألا وهو التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى قال الطبري:"وليعن بعضكم -أيها المؤمنون- بعضًا على البر وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، والتقوى: هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه" [تفسير الطبري ج6/ص66 ] . وهو من التواصي بالحق والتواصي بالصبر، قال تعالى:( والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) . قال السعدي:"والتواصي بالحق الذي هو الإيمان والعمل الصالح أي يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغّبه فيه، والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة؛ فبالأمرين الأولين يكمّل العبد نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمّل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسارة، وفاز بالربح العظيم" [تفسير السعدي ج1/ص934 ] ، ولا شك أن التعاون بالتعاهد والمذاكرة والمحاسبة يحصل به من فعل الخيرات وكثرة القربات ما لا يحصل بالانفراد عادة، وهو سبب لنفي الكسل، وطرد الغفلة، والبعد عن الركون إلى الدنيا، وغير ذلك من الأمور المقعدة عن فعل الخيرات والمبادرة إليها.

ومما سبق يمكن القول: إن المسألة المسؤول عنها مشروعة وجائزة بما ورد من عمومات الأدلة السابقة، فالتعاهد على فعل الطاعات، والسؤال عن فعلها معين على تزكية النفس وهو مطلب شرعي، ومحقق للحث النبوي على المحافظة على الأعمال الصالحة ونوافل العبادات، ويجانب ترك هذه النوافل الذي نبه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه، ومن جهة أخرى فيه تشبه بفعل الصحابة في تذاكرهم في إحياء إيمانهم.

ومع ما سبق ذكره ينبغي التنبه، إلا أن الإلزام لمثل هذا التعاهد ليس في مثل منزلة الواجبات الشرعية المنصوص على وجوبها بأدلة تخصها من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما ينبغي التنبيه على أن الالتزام في هذا التعاهد لا يجعل تلك النوافل والقربات واجبة؛ فذلك لا يصح إذ لا وجوب إلا ما أوجبه الله ورسوله، وغاية ما في هذا الإلزام هو اندراجه في عمومات الأدلة وخاصة عموم وجوب الوفاء بالعهد، وإنما هو وسيلة من الوسائل الموصلة إلى زيادة الإيمان وزكاة النفس، ومتى أمكن تحقيق ذلك بوسيلة أخرى فلا حرج، وأما بالنسبة للكيفيات والآليات التي يقع بمثلها هذا التعاهد فليس لها صورة معينة للمشروعية، ولكن ينبه على عدم المبالغة في التوثيق والتغليظ في مقتضى ومضمون التعاهد.

كما ينبغي البعد عن التفاصيل الدقيقة والآليات الحرفية فيما يتعلق بالمتابعة والسؤال، وذلك بعدًا عن أمرين:

أولهما- الحرج الشرعي فيما قد يكون فيه شيء من ذلك كالقسم أو استخدام لفظ البيعة ونحو ذلك.

ثانيهما- الخلل التربوي من خلال التنفير الناشئ من المبالغة في الإلزام، أو حصول التصنع، والمرآة استجابة لتلك المبالغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت