ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهيه عن ترك المسلم لما اعتاده من النوافل، فها هو صلى الله عليه وسلم يقول لعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: ( يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل ) [صحيح البخاري (1011) ج1/ص387، صحيح مسلم (1159) ، ج2/ص814 ] ، فكيف عرف صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخبر عنه إلا من خلال متابعته لأصحابه، وقال ابن حجر:"قال ابن حيان: فيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويُستنبط منه كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة"، وقال النووي: المختار أنه يستكثر منه ما يمكنه الدوام عليه، ولا يعتاد إلا ما يغلب على ظنه الدوام عليه في حال نشاطه وغيره"، والتوجيه النبوي يدل على الأخذ بالتوسط والقصد لئلا تؤدي الزيادة غير المقدور عليها إلى الانقطاع، وترك العمل بعد المواظبة عليه، وهو ما دل الحديث على كراهته."
6-الدعوة إلى تخصيص أوقات إيمانية للطاعات:
أورد البخاري في صحيحه تعليقًا عن معاذ بن جبل أنه قال: اجلس بنا نؤمن ساعة"وروى ابن أبي شيبة بسنده عن الأسود بن هلال المحاربي قال: قال لي معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة، يعني نذكر الله؛ فيجلسان يتذاكران الله ويحمدانه"، وقال العيني في العمدة:"أي اجلس حتى نكثر وجوه دلالات الأدلة الدالة على ما يجب الإيمان به"، وقال النووي:"معناه نتذاكر الخير وأحكام الآخرة، وأمور الدين؛ فإن ذلك إيمان"، وقال ابن المرابط:"نتذاكر ما يصدق اليقين في قلوبنا؛ لأن الإيمان هو التصديق بما جاء من عند الله تعالى".
7-الأمر بالوفاء بالعهد في الأعمال المشروعة:
لما ألزم عبد الله بن عمرو بن العاص نفسه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأن يختم القرآن كل ثلاثة أيام، لم يترك هذا الأمر حتى كبرت سنه، وشقّ عليه ذلك، وتمنى لو أنه قبل رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم له. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا عبد الله"ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟!"، فقلت: بلى يا رسول الله، قال:"فلا تفعل. صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله ) فشددت فشدّد عليّ قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، قال: ( فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزدْ عليه ) قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام ؟ قال: ( نصف الدهر ) فكان عبد الله يقول -بعد ما كبر-: يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم."
فقد كان يرى من نفسه التزامًا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم يكن يدعه رغم مشقته عليه، قيامًا بما ألزم نفسه به، وبما ضمنه قوله للنبي صلى الله عليه وسلم بالحفاظ على ما عيّنه له.
وأما التعاهد على الالتزام بها فهذا حكمه حكم العهد في الإسلام، ويدخل في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقوله تعالى: ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) قال ابن عطية: وأوفوا بالعهد: عام لكل عهد وعقد بين الإنسان وبين ربه أو بين المخلوقين في طاعة [ تفسير ابن عطية ص1142] ، وقال: أصوب ما يُقال في تفسير هذه الآية أن تُعمّم ألفاظها بغاية ما تتناول... ويُعمم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع" [ تفسير ابن عطية، ص505] ، وقال القرطبي في قوله: (وأوفوا بعهد الله) : لفظ عام لجميع ما يُعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة" [ تفسير القرطبي 2/1797] .
ولقد عاهد النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار وبايعوه في العقبة، ولم تكن تلك البيعة منهم إلا عهدًا على الإيمان والالتزام، ولم تكن إذ ذاك قد قامت دولة الإسلام حتى نقول: إنها بيعة كبيعة الأمراء. كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثبت أنه بايع بعض الصحابة على بعض أمور الإسلام من باب التأكيد عليها كما ثبت في حديث جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه:"بايعت رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم"رواه البخاري، ونقل ابن حجر (1/139) قول القرطبي:"كانت مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر"، فالوفاء بالعهد مطلوب شرعًا، وإن اختلف في حكمه بين الوجوب والندب وليس هذا مجال بحثه، قال ابن تيمية [ الفتاوى 11/101] :"الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله، وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن".
8-الأمر بالتعاون على البر والتقوى: