فهرس الكتاب

الصفحة 11664 من 27345

د. مسفر بن علي القحطاني 11/5/1427

اتجه عدد من المفكرين والنقاّد خلال العقود الثلاثة الماضية نحو نقد العقل المسلم ومحاولة تحليل الخلل الذي نجم عن حالة الوهن العام في أجزاء عدة من الأمة الإسلامية والارتخاء الحضاري في القيام بدورها الاشهادي على العالم, تحقيقًا لقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) ]سورة البقرة 143[.

فالعقل المسلم الذي سبق أن تفتق عن دورٍِ نهضوي وتغييري واضح في بنية المجتمع العربي ها هو يعود لمشرط النقد والفحص العلمي للعلاّت التي ألمت به من تداخل الوحي الغيبي بالاجتهاد البشري ,والشرعي بالعرفي, والعقلي بالذوقي, وتداخلت أدوات البيان السمعي من القرآن والسنة بالعرفان الصوفي, والبرهان الفلسفي بالغيبي , مما أدى إلى حالة من المراوحة الميدانية كبّلها عن الإنجاز الحقيقي ذلك الجدل العقيم في المقولات الكلامية والآراء الفقهية ,وتعصب ذميم للمذاهب والفرق والجماعات الدينية, واستبداد سياسي تداخلت فيها حظوظ السلطة ومغالبات الفقهاء وتنافسهم على المناصب والقضاء.

هذه الإشكاليات وغيرها ساهمت بذبول العقل الواعي وتضاءلت بالتالي روح الاجتهاد الفقهي ,وأدى هذا الفتور إلى غياب التجديد ودعاته عن الساحة الفكرية والعلمية.

لذلك كان المبرر قويًا لمعاودة النظر في الخلل المؤدي لتلك النتائج السالفة والسالبة على المستوى الفردي والمجتمعي. ولعل الدور الذي قدمه الجابري أو أركون أو شحرور أو حسن حنفي أو جمال البنا وغيرهم من النقاد المعاصرين كان محاولة جادة للبحث عن المنهجية الإصلاحية المثلى لنقد العقل وتحريره من شوائبه المتراكمة من عقود ,لكن الأدوات المعرفية والمنهجية العلمية في النظر والحكم لأولئك الباحثين كانت مستمدة من بيئة علمية أخرى ليست في مستوى القدسية والعصمة كما هي في البيئة العلمية عند المسلمين والمعتمِدة على منهجية الاستدلال القائمة على نصوصٍ شرعيةٍ قاطعةٍ من القرآن أو السنة , أو قواعد أصولية منبثقة عن هذا الوحي قد تختلف دلالاتها وحجيتها ولكن تبقى أقرب للضبط والتحديد، وأقصد بتلك البيئة المختلفة روحًا وشكلًا هي بيئة البحث المعرفي التي تم استيرادها من الخارج بأدواتها النقدية التي جاء بها فلاسفة التنوير لنقد السلطة الدينية وتفكيك الكهنوت النصراني ومحاولة إرجاع العقل لدوره المسلوب. فكما أن بعض الظواهر والنتائج متماثلة بين واقع الدين النصراني في أوروبا أثناء العصور الوسطى وما حصل للمسلمين بعد القرن الخامس الهجري, إلا أن هناك فروقًا واضحة وكبرى تختلف في سببيتها وجوهرها بين الواقع المسلم والواقع النصراني.

إضافة إلى أن تحليل الواقع المنهجي للعقل المسلم اتجه لدى أولئك النقاد من خلال نظرات جزئية للتراث الديني المستمد من الوحي دون الوصول للعمق الحقيقي الذي يمثلّ الأصول والمنطلقات والقواعد التي تبنى عليها تلك المنهجية.

واعتقد أن الجابري في مشروعه الكبير (نقد العقل العربي) قد ساهم بشكل كبير في تحليل ذلك الواقع إلى حد ما . لكن مساهمات الآخرين كانت أقل جهدًاَ وأقصر نظرًا بل بعضها أكثر تطرفًا عن المنهج الإسلامي فتوصلت بالتالي إلى نتائج فلسفية غير واقعية مازالت خاصة بدوائر بعض المثقفين من التيار العقلاني دون أن تشمل جميع أطياف الفقه والاجتهاد الديني لدى المسلمين.

ومن خلال هذه المقدمة أرى أن مشروع نقد العقل المسلم وبنية التخلف التي أصابته تحتاج إلى مزيد نظر وكشف عن مواضيع الصحة والضعف ومحاولة فهم العلل التي أصابت منهج النظر والاستدلال وتحليل الخطاب الإسلامي ومدى موائمته للمتغيرات الراهنة من حيث كونه تجسيدًا لتنزيل النصوص والقيم الدينية في واقع الحياة ومدى قدرتها في المعالجة والتبيين والإصلاح والتغيير.

وعند التأمل في هذا الواقع والنظر في مشاريع العمل لإصلاح هذا الواقع الفكري يُرى أن هناك غياب حقيقي في إعمال دور المقاصد الشرعية في المساهمة في معرفة الخلل أو استشراف الحلول من خلالها. والذي دعاني للبحث في المنهج المقاصدي وتعليق الأمل في دوره في إحياء العقل المسلم عدة أمور أوجزها فيما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت