فقه الإدارة الإيمانيّة في الدعوة الإسلامية
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
1ـ تمهيد:
لعدة قرون والعالم الإسلامي عالة على الغرب في النظم الإدارية، ينقلها نقلًا، أو تُفْرَض عليه فرضًا، مع تصوراتها وفلسفتها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد استقرّ في قلوب كثير من المسلمين أن"الإدارة"، لفظةً ومعنىً، تتعلق بالدوائر الحكومية والشركات وأمثالها، ولا يشعر المسلم بأن"الإدارة"شيء يمسُّه في حياته الشخصية، في نشاطه الذاتي، وفي بيته وأسرته، وفي تجارته ووظيفته. ولا يشعر أنه هو مسؤول عن ذلك، محاسَب عليه بين يدي الله، وأنّه قد ينجح في الدنيا أو يفشل بقدر من الله على سنن ثابتة في الدنيا، من بينها حسن تنظيم عمله وإدارته على أسس إيمانيّة.
ولا نعني بذلك أننا نحن المسلمين يجب أن لا نستفيد من تجارب غيرنا من الشعوب، ولكننا نعني أن لا نكون تبعًا تبعيّة عمياء، لا نفكّر ولا نردّ الأُمور إلى منهاج الله، ولا نتفاعل بعد ذلك مع ما هو خير فنأخذ ما نحتاجه. فالتجربة الإنسانيّة حقٌّ لعباد الله، وعباد الله يتحملون المسؤولية فيما يأخذون أو يدعون، وكيف يأخذون وكيف يدعون.
وما نودّ أن نثيره في هذه العجالة أننا إن أخذنا شيئًا عن أي أمة، فيجب أن نردّه أولًا إلى منهاج الله، ثم نأخذ ما نأخذه دون أن نأخذ فلسفته التي تحتويه، فلنا رؤية مختلفة، نأخذ السلاح مثلًا ونستخدمه في طاعة الله لا في معصيته. وقد نجد المجرمين في الأرض يبدّلون نعمة الله عليهم كفرًا، ويستخدمون ما أنعم الله عليهم به في معصية الله، فيفسدون في الأرض فسادًا كثيرًا ولا يصلحون، ويضعون من النظم الإدارية ما يخدّرون به الناس، وما يؤمِّن به مصالح المجرمين في الأرض.
والإدارة يمكن أن تكون من هذا الميدان الذي يمكن فيه الاستفادة من التجربة البشريّة الصالحة بالشروط التي سبق ذكرها، فلنا نحن المسلمين فقه إسلامي ممتد شامل، وله أسسه وقواعده التي تمتدّ في ميادين الحياة، ومنها ميدان الإِدارة. والإدارة يمكن أن تُسْتَغَلَّ من أجل الفساد والفتنة والجريمة، أو من أجل الصلاح والحق. ومن هنا تتباين إِدارة من إدارة، بتباين الفقه الذي تنطلق منه والهدف الذي تسعى إليه.
نقطة لابد من إثارتها من البداية، ذلك أننا لا نستطيع تغطية هذا الموضوع تغطية عادلة أمينة في عدد من الحلقات أو الصفحات. لذلك نقدم هنا ما يتسع له المقام، مع إعطاء ملامح لبعض القضايا، وإشارات لبعضها الآخر. فكل قضيّة يجب أن تنال من حيث الأساس دراسات منهجيّة مترابطة توفي القضية حقها وترابطها بما سبقها وما يتلوها. ويكمن أن نوصي بالرجوع إلى ثلاثة كتب من أجل تفصيلات أوسع:"فقه الإدارة الإيمانية في الدعوة الإسلامية"، و"الشورى وممارستها الإيمانية"، و"الفقه امتداده وشموله بين المنهاج الرباني والواقع".
وإذا كنا نحتاج الإدارة في ميادين الحياة المختلفة، فإن من أوسع الميادين التي نحتاج فيها إلى الإدارة الإيمانية هي الدعوة الإسلامية بمفهومها القرآني الواسع وميدانها الشامل الممتد.
وحيث إن موضوعنا هو فقه الإدارة الإيمانية فلابد من أن نبدأ بتحديد معنى الفقه مما يساعدنا على تبيّن أسس الإدارة الإيمانية وفقهها.
2 ـ الفقه في الإسلام امتداده وشموله:
لا نقصد بالفقه فقه الشعائر فحسب، ولا فقه الحدود والمعاملات فحسب، وإنما نقصد الفقه بامتداده وشموله لميادين الحياة كلها، حيث ينطلق المسلم فيها ليُحقِّق المهمّة التي خلقه الله للوفاء بها في الحياة الدنيا، المهمّة التي أوجزها منهاج الله في أَربع مصطلحات عامة، كل واحد منها يًعرِّف المهمّة ذاتها من جانب من جوانبها، حتى تقدّم هذه المصطلحات الأربعة التصوّر الكامل لهذه المهمة، ثم يفصّل منهاج الله ـ قرآنًا وسنة ولغة عربية ـ هذه المهمّة تفصيلًا لا يترك لأحد مجالًا أن يتفلّت منها. هذه المصطلحات الأربعة: العبادة، الأمانة، الخلافة، العمارة.
من هنا تبرز القاعدة الأولى، وهي أن الإنسان المسلم خُلِق ليؤدِّي مهمّة في الحياة الدنيا، وأنه على المسلم أن يعي هذه المهمة وعيًا كبيرًا، وأنه محاسَب عليها، وأنها هي سبيله إلى الجنة إذا مضى على صراط مستقيم. فالعبادة ليست الشعائر وحدها، كما نجد في بعض الكتب، وإنما العبادة هي الوفاء بالمهمة التي خُلِقْنا للوفاء بها في الحياة الدنيا. وبإيجاز آخر هي ممارسة منهاج الله في واقع الحياة البشرية ممارسة قائمة على أسس الإيمان والتوحيد.