فهرس الكتاب

الصفحة 6801 من 27345

أنس إبراهيم الدّغيم

رُويَ في صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ، و عن أبي ذرّ رضي الله عنه قالا: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أوى إلى فراشه قال: (( باسمك اللهم أحيا و أموت ) )؛وإذا استيقظ قال: (( الحمدلله الذي أحيانا بعدما أماتنا و إليه النّشور ) ).

الحمد لله الذي أحيانا: إنها أولُ كلمةٍ يهتفُ بها قلبُ المؤمن من يومه .

فحينما يلفُّ المؤمنَ سوادُ اللّيل فيخلدُ إلى الفراش ليستريح من تعب التّردّد في حاجات يومه الطّويل ، يظلُّ قلبُهُ منزلًا للأنوار الهابطة إليه من المحلِّ الرّفيع ، و يظلُّ مستعدًا لأن يأخذ من ومضات النور الهابطة ما يأخذ به في مسالك النّورانيّة الرّفيعة .

و حينما يسدلُ اللّيلُ ستورَه على الوجود ، تفرح قلوبُ الذين حادّوا اللهَ و رسوله و المؤمنين بأنّ الورودَ الثّائرةَ قد خلدتْ إلى أكمامها بعد نفح الشّذا و الطّيب .

و تطمئنُّ قلوبهم إلى أنّ رجالَ الأرض قد ناموا نومتهم الهادئة ، فيقومون في هدأة اللّيل ليشعلوا نيرانَ حروبهم و أحقادهم في سكون العالم هؤلاء أعداؤنا يا سادة !!!!!

و لكن إذا ما انقضى من اللّيلِ ثلثُه أو أكثرُ من ذلك بقليل قام المؤمن الحقُّ يمزّقُ أستارَ اللّيلِ بوثبةٍ من روحهِ عليّةٍ ، و يضيء أكنافَ اللّيل بأورادِ اليقين ، مكتنفًا قلبَهُ الثائرَ بين جنبيه ، يمخرُ عبابَ الصّمت بقوله: (( الحمد لله الذي أحيانا ) ).

إنها الكلمةُ الأولى من يومٍ جديدٍ و جميل .

إنها جذوةُ الإيمان الأولى التي تنبعث في سجاف اللّيل ليحتمل منها المؤمن قبسًا مشرقًا يصوغ منه منطلقَه المؤمنَ القويّ .

إنها الكلمة الأولى التي تقول للصّمت: ( أحلى من الصّمتِ .... قولُ الذين يدعون إلى الله و يعملون الصّالحات ) .

إنها الحركةُ الأولى التي تقول للسّكون: ( أحلى من السّكونِ ... الانطلاقةُ إلى الله ) .

إنها الوثبةُ الأولى التي تقولُ للهدوء: ( أحلى من الهدوء الثّورةُ على مضامين الجاهليّة ) .

إنّ لهذه الكلمة شعاعًا نورانيًّا يذكي قلبَ المؤمن بنور التّوحيد ، و يقدح فيه زنادَ التّوجّه السّديد و السّلوك الرّشيد .

إنها الهروبُ من الدَّعةِ و الضّعف ثمّ إثباتُ القدم في أرض الإيمان .

إنها الإعلانُ للدّنيا بأسرها بأنهُ إذا نامتْ عينا مؤمنٍ فإنَّ قلبه لا ينام .

إنها الفرارُ إلى الله بقلبٍ راغبٍ يحدوهُ الشّوقُ إلى حضرةِ أنسه ، واللّهفةُ للوصول إليه سبحانه ، ثمّ النّزولُ في محاريب قدسِه .

(( ففرّوا إلى اللهِ إنّي لكم منه نذيرٌ مبين ) )

إنّ لهذه الكلمةِ سرًا يجعلُ من البدءِ شيئًا آخر يصبغ سيرة المؤمن من يومه الجديد بلون الإيمان و عطرًا يعبق في وقت المسلم من شذاه ما يعطّرهُ و يطيّبه .

مازال إبليسُ و جنودُه في كلّ عصرٍ يزيّنون لنا الشّهوات و يبرزون الملذّاتِ أمامَ أعيننا في أجمل حللها .

فإذا ما قال المؤذّنُ ( الصّلاةُ خيرٌ من النّوم ) ، نفث إبليسُ في رَوع المؤمن أنّ النّومَ خيرٌ من ركعاتٍ قد تطول ، وإذا ما قال المؤذّنُ: ( حيَّ على الصّلاة ) ، وسوسَ إبليسُ للنّفس المؤمنة بأنّ الرّاحةَ خيرٌ من القيام في محاريب الإيمان و الذّكر الحكيم .

و ما زال حلفاءُ الشّيطانِ في كلّ عصرٍ يعلّمونَ الشّبابَ المسلم بأنّ يوم المسلم إنما يبدأ من بعد طلوع الشّمس ، و بهذا انخدع الكثيرُ من المسلمين ، فإذا قاموا من صبحهم إلى أعمالهم قاموا كسالى . و ما علموا أنّ يومَ المسلم إنّما يبدأ من صيحةِ المآذن: ( الله أكبر ) .

ألا و إنّ المؤمنَ الذي لا يعيش لحظاتِ الفجر الجديد هو عدوٌّ للوقت ، و لن يعطيَه الوقتُ ما يريد ، فلا بركةَ بعد ذلك في عمره و لا انفساحَ في أيّامه و وقته .

و إنّ المؤمن الذي لا يستيقظ على صوت دقّات الصّبح على باب كلّ يوم ، فلن يستشعر في قلبه بعد ذلك حلاوةَ المشي في مناكب الأرضِ و الأكل من رزقها .

وإنّ المؤمن الذي لا يعيش تلك اللّحظات الجميلة الّتي تشرقُ فيها شمسُ الطبيعة فتملأ بشعاعات النور مسالكَ الحياة ، لن تشرقَ شمسُ الحقيقة في قلبه من يومه ، فقلبُه بعد ذلك قعرُ بئرٍ مظلمة .

فإذا ما هجر المؤمنُ فراشَه و أوى إلى محرابِ التّوحيد ثم تلا فيه من آيات الكتاب البيّنات أحسَّ بالنّشوة تسري في أوصاله و تعمرُ كيانَه .

ألا إنّه ندى الإيمان المتساقط من المحلِّ الرّفيع الأعلى على القلب الفقير ، و النّورُ النّازلُ من قبّةِ الكأسِ الأوفى إلى القلب الطّهور ، و لن يطهرَ قلبٌ و يصفو إلا بذينكَ الوافدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت