(نقدم اعتبارًا من هذاالعدد ماتيسرلدينامن خطب العلامة الخطيب المفوه الأديب الشيخ محمود مشوّح -مفتي الميادين رحمه الله تعالى لمافيها من فكروثقافة ودعوةمستنيرة إلى الله تعالى)
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون، فهذا أوان الوفاء بما سبق أن وعدناكم بالحديث عنه بعد مقدمات قد يراها البعض طويلة ومملة، ونراها ضرورية ولازمة، لقد وعدناكم أن نتحدث عن بواكير الدعوة، وفي ذهني أنني قد أسلخ معكم في هذا الحديث أسابيع طوالًا، ولكن من الضروري قبل البدء في الحديث أن أقدم بضع ملاحظات.
إن الحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليس أمرًا هينًا، وأعترف لكم دون تردد أنني حين وعدت بهذا ما كنت أقدر أن الأمر يتطلب كل هذا الجهد فنحن نملك في موضوع السيرة أقدم نص وأوثق نص؛ هو النص الذي جاءنا عن طريق ابن هشام والمعروف بسيرة ابن هشام، وسيرة ابن هشام هذه هي تلخيص لمغازي ابن إسحق رحمة الله عليه، وهذه المغازي ضاعت في ما ضاع أثناء النكبات التي حلت بالمسلمين على مدى تاريخهم الطويل، ثم هناك ما هو أوثق من هذا ولكنه أضيق مدى وأقل شمولًا وهو ما يتناثر من وقائع السيرة في ثنايا مجاميع الحديث النبوي الشريف، ثم بدأ الناس يكتبون في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واختلفت درجات المغالاة في هذه الكتابة ويكفيك أن تنظر في كتب المتأخرين لترى كم ترك الخيال الشعبي من آثار على هذه السيرة الإنسانية العالية، وكم ألحق في السيرة النبوية من خرافات وأباطيل مع أن النبي صلوات الله عليه وآله كان يحرص باستمرار وفي كل مناسبة على تأكيد بشريته ونفي أية صفة زائدة على هذه البشرية.
وفي منهجنا الذي نأخذ به أنفسنا إن شاء الله سوف نُعْنَى عنايةً خاصة بتجريد حياة النبي صلى الله عليه وآله مما ينبغي أن لا يضاف إليها من الخرافات والأضاليل والأباطيل فحسبنا منه عليه الصلاة والسلام أنه البشر الكامل المكمل (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ) .
أعرف تمامًا أن كثيرًا من العوام وأشباه العوام سيضيقون ذرعًا بهذا لأنهم يرون عن جهل -طبعًا- أن أي مساس بجملة الأباطيل التي يروج لها ويسمعونها شيء لا يطاق، ولكننا نحترم العلم ونحترم الحقيقة، ونحترم الحقيقة البشرية المتمثلة في محمد صلى الله عليه وسلم هذه ملاحظة، وملاحظة أخرى إن الميدان الذي نروده الآن ميدان بِكْرٌ أو شبهُ بكر قد تعجبون فالسيرة النبوية كتب فيها كثيرون وقال فيها كثيرونَ ولكن النحو الذي أريده والزاوية التي أتناول السيرة منها يشبه أن تكون زاوية بكرًا لم تردها قدم سائح أنا لا أهتم بالخبر من حيث هو خبر أهتم له من حيث هو واقعة تاريخية فالتاريخ معلومات لكني أهتم بالسيرة برمتها من حيث هي حركة، من حيث هي تحرير للإرادة البشرية، من حيث هي إغناء للمسيرة الإنسانية، من حيث هي رفع لسوية الإنسان، يهمني أن أعرف وأن تعرفوا كيف كان النبي صلوات الله عليه وآله وسلم يدعو ويتصرف، وتحت أية قوانين وقواعد كان يسير في هذه الدعوة لأن اجتهادات المجتهدين في عمل المسلمين اختلفت ضرورة اختلافهم في فهم هذه القواعد إن كانوا فهموها أصلًا، فالسيرة تهمنا من حيث هي صورة لتيار حركي استهدف تغيير الواقع البشري بالدعوة وبالقول وبالعمل، ثم هو لم يكن عملًا عشوائيًا غير مبني على قواعد ولا خاضع لقوانين ولا هو غير مقيد بمناهج، وإنما هو بالفعل كان يخضع لقوانين صارمة ودقيقة للغاية، وواجب المسلمين أن يتصرفوا على هذه القوانين ليقيموا حركتهم وفقًا لها.. لماذا؟ لأن الله جل وعلا اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم الطريقة التي توصل إلى الهدف المقصود من أقرب طريق وبأقل التضحيات الممكنة على الإطلاق.