فنحن إذًا سوف ندرس السيرة في هذا الإطار وسوف نعاملها تبعًا لضعف المصادر التي بين أيدينا على ضوء القرآن لأن القرآن هو الوثيقة الوحيدة التي لا يمكن الطعن فيها، وهو الوثيقة الوحيدة التي تحوي هذه الحركة بكل زخمها، وبكل إشعاعاتها هذه ملاحظة ثانية، وملاحظة ثالثة قبل اليوم ومنذ سنوات أسمع من كثير من الإخوة تساؤلًا عن الأسلوب. هذه معضلة أيها الإخوة تتعلق بشخصي مع الأسف كثير من الإخوة يشكون ومعهم كل الحق من أن الأسلوب أعلى مما ينبغي ومن أن الأفكار أعمق مما ينبغي، وطلب إلي الكثيرون أن أخفف من هذا، أما إخواننا أهل منطقتنا فقد تعودوا على هذا (البلاء) ووطّنوا أنفسهم على تحمله منذ ما يقرب من ثلث قرن، وأما الآخرون فأحب أن يدركوا معي ملاحظة بسيطة، إن الأسلوب يا إخوة، جزء من شخصية الإنسان لا يمكن تعديله إلا بعد إدخال تعديل واضح على الشخصية، وهذا مستحيل فمن حيث الأسلوب أعتذر إليكم لا أملك حيلةً في هذا الموضوع، هكذا فطرني الله وهذه هي طريقتي في الحديث وهذه هي طريقتي في تناول الموضوعات لكني قررت وحدثت أحد إخواني أمس مساءً أنني سوف أسلك طريقة كنت لا أريدها، كنت أريد أن يسمع الواحد منكم الكلام هنا كما يقرأه في كتاب أو كما يقرأه في جريدة أو مجلة -لا فرق أبدًا- مع ذلك فرعاية للظرف المحيط بنا سوف أركز في كل جمعة على فكرة واحدة أو فكرتين أوضحها وأبسطها، وأنا آسف لأن هذا سيقضي على كثير من المزايا التي كنت حريصًا عليها.
نعود إلى ما كنا فيه:
منذ أسبوعين رويت لكم الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمة الله عليه في أوائل كتابه الجامع الصحيح وفي باب (كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) واقتصرت من الحديث على ما دعت الحاجة إليه آنذاك، الآن سأروي لكم الحديث بتمامه إن شاء الله وأرجو أن نُمَرِّن أنفسنا على قراءة ما بين السطور قال الإمام البخاري رحمة الله عليه:
حدثنا محمد بن بكير قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أول ما بُدِئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء أي العزلة وكان يخلو في غار حراء ويتحنث، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد- قبل أن ينزع إلى أهله - يعني يرجع- ويتزود لذلك يعني ينقطع أيامًا يأخذ أثناءها ما يلزمه من زاد ثم يعود إلى خديجة رضي الله عنها فيتزود لمثل ذلك أي أن تحنثه كان يستمر على فترات كلما فني زاده وانتهت نفقته عاد إلى بيته فتزود ثم رجع إلى الغار يتحنث هناك. قالت:
جاءه الملك وهو في حراء فقال له: اقرأ.
فقال: ما أنا بقارئ.
قال -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -فأخذني فغطني أي اعتصرني حتى بلغ مني الجهد أي أتعبني جدًا ثم أرسلني وقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:
)أقرأ بسم ربك الذي خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم(.
قالت: فرجع بها - يعني بهؤلاء الآيات - رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده أي دَاخَله شيءٌ كثير من الرعب، والتجربة تجربة جديدة على الإنسان تدخل الرعب إلى نفسه حقًا فجاء إلى خديجة فقال: زملوني فزملوه فلما ذهب عنه الروع أي زايله الخوف قال لخديجة وأخبرها الخبر:
"لقد خشيت على نفسي"خشي أن يكون قد تلبَّسه شيطان، أن يكون قد أصابه مس.
قالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به إلى ورقة ابن نوفل بن عبد العزى وكان ابن عم خديجة رضي الله عنها وكان أمرأً قد تنصَّر في الجاهلية أي دخل دين النصرانية وقرأ الكتاب العبراني وكان يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب فقالت له: يا ابن عم.. اسمعْ من ابن أخيك.
قال ورقة (يعني للنبي صلى الله عليه وسلم) يا ابن أخي: ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بخبر ما رأى فقال: لئن صدقتني إنه الناموس الذي أنزله الله على موسى، وإنك لنبيُّ هذه الأمة، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.
قال له قبل ذلك يا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فدهش النبي صلى الله عليه وسلم وقال:
أو مخرجيَّ هم؟
قال: نعم لم يأت رجل قومه بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي.
قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال وهو يحدث عن فترة الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بينما أنا في حراء إذ سمعت صوتًا فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني في حراء جالس على كرسي بين الأرض والسماء فرعدت فرقًا - خوفًا - فرجعت فقلت دثروني فأنزل الله تعالى: