رحم الله أخي"الحبيب"د. الحبر يوسف نور الدائم*
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم الذي قيل له ( إنك ميت وإنهم ميتون) وكفى بالموت واعظا ، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى ( وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) .
وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمة لا تنفع
وما المال والأهلون إلا ودائع ** ولا بد يوما أن ترد الودائع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ** يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
ولقد استقبلت مقابر"حمد النيل"بأمدرمان شهابا ساطعا ، وعلما خافقا ، ذلكم هو الأخ الكريم ، صاحب الفضل العظيم"الحبيب أحمد الطيب"له من الله الرحمة الواسعة ، والمغفرة السابغة، والرضوان العميم ...عرفته منذ سنوات خلت فألفيته -ما علمت- سيدا ضخما ، وقامة سامقة تتعلق بالمعالي وتتجانف عن السفاسف ، وترنو إلى التي هي أقوم ببصرة نافذة ، وقريحة مشتعلة ، وعزيمة ماضية.
بسط الله له في الرزق ، وأكرمه ونعّمه فعلم-وكان حريصا على مدارسة العلم ، ومجالسة العلماء- أنها الفتنة والابتلاء والامتحان فلم يطغه مال ، ولم تستفزه نعمة. لم يكن"الحبيب"رحمه الله شحيحا بخيلا اقطع ، ولم يك كز الأنامل بل كان أبيض فياضا يداه غمامة ينفق في وجوه الخير والبر والإحسان. ذكر له بعض طلاب كلية الآداب بجامعة الخرطوم أنهم في حاجة إلى مصلى فتبرع تبرعا سخيا يدل على سماحة وكرم وأريحية ولم يحوجهم إلى مطاردة أو ملاحقة أم مماطلة. وإنما هذا مثال والأمثلة كثيرة يعرفها عنه أهله وأصدقاؤه ومن له به فضل معرفة أو اتصال أو تعامل.
لقد كان رحمه الله ممن يرتاد المساجد ، ويحرص على صلاة الجماعة حتى وهو مريض منهوك.عرفته المساجد في وطنه ، وعرفته في خارج وطنه وكم قد زار أم القرى وطيبة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
زار تلك البقاع الطيبة حاجا ومعتمرا وفي مرة من المرات سمعنا النداء من المسجد الحرام وكنا قد حضرنا لتونا إلى فندق من الفنادق ولمّا نضع رحالنا بعد فاقترح رحمه الله أن نمضي إلى المسجد فورا فقلت له"دا فقهك ؟!"الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يريحون الرواحل قبل أن يقوموا للصلاة"فاتخذها -رحمه الله- مكان تندر ومفاكهة وكان يقول لبعض أصحابنا وهو يبتسم ضاحكا"قال لي دا فقهك ؟". رحمك الله أخي الحبيب فقد كنت سمحا متواضعا ذا مكارم ...وفي جلسة من تلك الجلسات العامرات بالآداب وطيب الكلام سألني أحدهم مازحا ما تقول في رجل زيّن ظاهر بيته بالرخام ؟ فقلت له ما أرى في هذا الذي فعله إلا مبالغة وشططا غير مرغوب فيه ، فأردف قائلا أخونا فلان دا -وبيني وبين فلان هذا مودة ومحبة- هو الذي زيّن ظاهر بيته بالرخام فقلت له أو تريده أن ( يليس) بيته في كل عام ؟ يكفى أن يكون المطر في الخريف غاسلا للرخام ! فقال أخي الحبيب"حبيب"( انت آشيخنا فتاويك دي مفصلة على أفراد الناس واللا شنو ؟!"
ويا رعى الله ذلك العهد وسقاه:-
ذكرت بها وصلا كأن لم أفز به
وعيشا كأني أقطعه وثبا
وإذا أضفت إلى تواضعه وحسن أدبه وسماحة نفسه وعلو همته وجود يديه ، وهذا ما ذكرنا آنفا ....إذا ذكرت إلى ما ذكرناه شجاعته وصبره ، وحسن توكله ، وقلة شكواه وهذا مما أظهره في مرضه الذي أصابه -ونسأل الله أن يثقل ميزانه ، وأن يكفر سيئاته ، وأن يزيد في حسناته- إذا أضفت هذا إلى ذاك علمت أي رجل كان"الحبيب أحمد الطيب"الذي مضى طيبا بإذن الله ونسأل الله أن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته...والعزاء فيه عزيز ...وعزاؤنا لأهله وزوجه وذريته وذويه ولإخواننا وإخوانه أحمد البدوي ، وسعود البرير ، وعبد الحي يوسف ، ومالك علي دنقلا ، وفيصل حسب النبي ، ومحمد البخيت ، وعبد الرحيم محمود وسائر من ذكرنا ومن لم نذكر من أحبائه وعارفي فضله ، وإنا لله وإنا إليه راجعون وصل اللهم وبارك على نبيك وصفوة خلقك ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.