د. عبد العزيز القارئ 20/1/1424
المُتأمِّل في واقع المسلمين اليوم يجدْ ظاهرةً هامةً تلفت نظرَ المفكرين، هي أن الصحوة الإسلامية في الأمة تنتشر ويتزايد حجمها على مستوى الشعوب، بينما هناك فقر مدقع على مستوى القيادات ؛ أي أن هناك اتساعًا على مستوى القاعدة وانكماشًا على مستوى القمة..
هناك قيادات محلية في كل قطرٍ فيها خير وبركة، وكثيرٌ منها لا خيرَ فيها ولا بركةَ ؛ ولكنَّ المسلمين اليوم محرومون من القيادة على مستوى الأمة، قيادةٍ مؤهلةٍ لإنقاذ الأمة كلها من وهدتها.
أما القيادات السياسية ؛ أي حكام العرب ؛ وحكام العالم الإسلامي، فقد أعلنوا إفلاسهم بلسانِ الحالِ ولسانِ المقال..
وثبت أنهم على صنفين لا ثالثَ لهما: صنفٌ هو صنيعةُ الاستعمار، صَنَعَه على عينه وهيَّأَه، وأوصله إلى الكرسي، ووضعه كابوسًا على صدر الشعب يكتم أنفاسه، ويكبت أيَّ بوادر لنهضته أو أيَّ تحركٍ لتحرُّرِهِ، ويتولى حراسة مصالح سادته الذين أوصلوه إلى الكرسي، ويتولون حمايته، وعندما ينتهي مفعوله وتنفد صلاحيته يُلْقون به في المزبلة، وربما تركوه لمصيره وتخلوا عنه لشعبه ليتولى القضاء عليه، وهذا له أمثلة كثيرة في الواقع المُشَاهَد، وليس من موضوعنا الانشغال بتفاصيل ذلك.
وصنفٌ آخر ليس كذلك، فيه دَخَنٌ، أي فيه خيرٌ وشَرٌ، لكنه مصابٌ بالعجز التام أمام قوة المُسْتَعْمِرِ الجديد وضخامة حجمه وشراسته.
المهم أن كلا الصنفين أثبتوا أنهم مُجَرَّدَ واجهاتٍ ضعيفةٍ، لا تستطيع الدفاع عن الأمة، ولا حراسةَ مصالحها العليا، ولا قدرةَ لها على مكافحة العدو، والذبِّ عن مصالح الأمة، ولا نيةَ ولا إرادةَ لذلك..
وحتى تكتمل الصورة المثيرة للسخرية والمرارة انظر إلى تلك النِّقَابتين الشهيرتين: نِقَابَةُ حُكَّامِ العرب"الجامعة العربية"ونِقَابَةُ حكامِ العالم الإسلامي"المؤتمر الإسلامي"، إنهما في وضعٍ من الشلل والإعاقة والعجز التام لا تحسدان عليه.
ويا أسفًا على أمةٍ عظيمةٍ تمثلها هاتان النقابتان المشلولتان!!
المقصود أن نقول: إن الأمة الآن بلا قياداتٍ سياسيةٍ ؛ لقد تخلت القيادات السياسية عن واجباتها، وربما انقلب بعضها مخلبًا للعدو المُهَاجِمِ ضدَّ شعبه، وضدَّ أمته.
أما قيادات الحركات الإسلامية فكثير منها ضعيف، والحركات التي يقودها أناس ليسوا من العلماء، ولا فقه لهم بالشريعة، ولا يشاورون العلماء، لا تحتاج إلى تفصيلٍ لحالها وحالِ قياداتها، لا نجرح فيهم من جهة الصدق والعدالة، فلربما كانوا أفضل صدقًا وإخلاصًا، ولا نستخف بشخصياتٍ معينة، ولا نريد التنقص من أحد، معاذ الله، إنما هدفنا مناقشة الحالة..
الفقهُ في الدين والعلمُ هو الشرط الثاني بعد العدالة للولاية عند الفقهاء ثم يليه شرط الكفاية، بمعنى العقلية الإدارية السياسية، كلُّ ولايةٍ عامةٍ تحتاج إلى هذه الشروط الثلاثة وليست الولاية الكبرى فحسب.
تأمَّل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي لا تَأْمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مالَ يتيم) (1) .
أبو ذر رضي الله عنه لا ينقصه الشرط الأول ولا الثاني، فقد ورد أنه أصدق الناس
لهجة (2) ولم يكن ضعيفًا بمعنى الجبن والخور، كيف ومواقفه القوية في مسألة الأموال معروفة، أولًا في مواجهة أمير الشام معاوية رضي الله عنه وذلك عندما كان بالشام، وثانيًا في حضرة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وذلك عندما رجع أبو ذر إلى المدينة..
إذن المقصود بالضعف هنا: الضعف في القيام بوظائف الولاية، لافتقاده الحننْكَةَ الإداريةَ والسياسيةَ، ولذلك نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن سائر الولايات العامة والخاصة..
أبو ذر رضي الله عنه، صحابي جليل، من علماء الصحابة، وأَصْدَقُهُم لهجةً، وهو مَنْ هو في قوته في الحق، ومع كل ذلك لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم مناسبًا لتولي الإمارة..
وقارن ببعض قيادات الحركات الإسلامية تجد أمرًا عجبًا، ولا نحتاج إلى التشهير بأحدٍ، ولكن تتحدث عنهم أعمالهم وإنجازاتهم، وطريقتهم في التفكير، وطريقتهم في العمل.
أحَدُ أحسن هذه القيادات حالًا، وقف أمام الجموع المتحمسة للإسلام في بلده يقول: ماذا يضير الشعبَ إذا لم يعرفْ هل استوى الله على العرش أم لا ؟!
من الواضح أن هذا القيادي نفسَهُ لا يعرف هل استوى الرحمن على العرش أم لا !! ولذلك هو يُلْغِي هذه المسألةَ وأمْثَالَها من برنامجه..
وبصرف النظر عن السبب الذي أدَّى إلى ضيقِ صدر هذا القيادي بهذه المسألة وأمثالِهَا فإننا نقول: إذا لم تكن معرفةُ اللهِ في مُقدِّمةِ الأولويات في برنامج أيِّ حركةٍ إسلاميةٍ فإن لنا أن نتساءل: إلى أيِّ شيءٍ يدعون الناس إِذَنْ، لأن كلَّ هدفٍ آخر هو مُتفرِّعٌ من هذا الهدف.