فهرس الكتاب

الصفحة 968 من 27345

وفي حركة أخرى من الحركات الإسلامية الرئيسية الكبرى في الساحة هي حركة الإخوان المسلمين قارن في مجال القيادات بين حسن البنا وسيد قطب رحمهما الله وبين قيادتها الآن حتى تعرف أن الخط البياني في هبوط..

هذه الأزمة في القيادات تجعلنا نتساءل: لماذا عَقِمَتْ أرحامُ هذه الحركات الإسلامية من بعد مُؤَسِّسِيهَا عن أن تقدم للأمة قادةً مُؤَهَّلِين سواءً من الصف الأول، أو حتى من الصف الثاني، هل انشغل المؤسِّسُون بتربية الأمة عن تربية القادة ؟!

إن أمثال حسن البنا، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد بن عبد الوهاب، وأبي الأعلى المودودي وغيرهم من القادة الأفذاذ لا تنجب الأمة أمثالهم دائمًا، فلماذا لم يعتنوا بتربية جيل من القادة يتسلمون الراية من بعدهم ؟!

انظر إلى القادة من الرعيل الأول الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم ماذا فعلوا من بعده، وكيف أكملوا مسيرته حتى وصل نور رسالته إلى مشارق الأرض ومغاربها..

إن إهمال هذا الجانب وهو إعداد القادة يؤدي دائمًا إلى ضعف الحركة وانحطاطها، لأنه يقفز إلى القيادة حينئذٍ من ليس أهْلًا لها..

عندما تكون القيادة لغير العلماء فلا أملَ يُرْتَجَى ولا خيرَ يُنْتَظَر، يكون الحال عندئذٍ تطبيقًا مبكرًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (... حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فأفتوا بغير علم فضَلُّوا وأَضَلُّوا) (3) .

إنها مهمة الأنبياء، سواء كانت دعوةً أو جهادًا، والأنبياء استخلفوا عليها العلماءَ، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء) (4) .

نقول: إذا كانت القيادات الحركية بهذه الحالة، والقيادات السياسية مفلسة، فإن مسؤولية القيادة يجب أن تنتقل إلى العلماء..

أعني العلماءَ الربانيين، وإني لَمُوقِنٌ بوجودهم فإنهم القيادة الحقيقية للأمة، والله تعالى لا يترك هذه الأمة بلا قيادةٍ صحيحةٍ وإلا فستكون نهايتها.

العلماء هم أولو الأمر في هذه الأمة، وهم أهل الحل والعقد، ويجب على الأمة طاعتهم والرجوع إليهم، خاصة عند الملمات والأزمات، أزمات السِّلْم أو أزمات الخوف، تأمل القرآن:

( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) [ 83/النساء ] .

قوله ( يستنبطونه ) دل على أن أولي الأمر الذين هم مرجع الأمة هم العلماء، وإلا فقل بربِّكَ: مَنْ مِنَ القيادات السياسية الآن ونحن في خوفٍ يفهم القرآن أصلًا حتى يستنبط منه.

العلماءُ الربانيون موجودون، ولكنهم مشتتون في ثنايا الأمة، ليس بينهم تواصلٌ ولا ترابطٌ ولا تنسيقٌ ؛ ولو سرًا، وهم محارَبون، وهناك حرصٌ على إبعادهم عن مراكز التأثير، ومن باب أولى عن مراكز القيادة، بل في بعض بلدان العالم الإسلامي التي ابتليت بحكومات ظالمةٍ قمعية شرسة هناك محاولات للقضاء عليهم وإبادتهم..

لا بد من تحرك هؤلاء العلماء ليأخذوا زمام المبادرة، فالأمة الآن أصبحت مكشوفة وبلا قيادة..

كيف يتحركون ؟ وماذا يصنعون ؟ لستُ هنا بصدد وضع برامج مسبَّقة ولا خطط معلَّبة، يكفي أن أقول: إن الواجب عليهم الآن أن يتحركوا، وأول خطوةٍ هو محاولة التواصل، والترابط، والتشاور، لعل ذلك يُفضِي بهم إلى التنسيق فيما بينهم، وتكوين جبهةٍ واحدةٍ سرية أو علنية، أو كلتاهما معًا.

لقد مرت في تاريخ أمتنا أزمات أشدُّ مما تواجهه اليوم، وحلّت بها كوارث ومصائب كبيرة هددت وجودها وبيضتها، لكنها نجت من كل تلك المحن، وكان الفضل بعد الله يرجع لجهود العلماء..

كان من أهم أسباب الضعف أن الفتن التي هجمت على الأمة بدأت من الداخل، متمثلة في الروافض، البويهيين، والفاطميين، وفرق الباطنية من إسماعيليين وحشاشين، كل هؤلاء كانوا عوامل فساد نخرت في كيان الأمة، ولولا وقفة العلماء ضدهم، ووقفةُ بعضِ ملوك المسلمين وسلاطينهم: من السلاجقة، والأيوبيين، لكان أثر هؤلاء الروافض مدمرًا..

ثم جاء الهجوم الصليبي، الذي بدأت أولى موجاته في أوائل القرن الخامس الهجري، وكان لمراسلات خلفاء الدولة الفاطمية الرافضية مع نصارى أوربا يحثونهم على مهاجمة الشام أبلغ الأثر في غزو الصليبيين للعالم الإسلامي (5) . بل وكان لمراسلات"ابن العلقمي"الوزير الرافضي لآخر الخلفاء العباسيين أبلغ الأثر في هجوم المغول على بغداد سنة (656) هـ وانهيار الخلافة العباسية على يدهم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت