فهرس الكتاب

الصفحة 13363 من 27345

تفسير سورة البروج (4)

الجمعة 11 جمادى الأول 1397 / 29 نيسان 1977

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

يحسن أن نستذكر الواقعة التاريخية التي أشارت إليها بعض آيات هذه السورة ، وأُديرت السورة جميعًا على الدروس المستفادة منها ، فنحن الآن مع الآية الكريمة ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) وكذلك مع بعض مما ييسر الله تعالى من الآيات التي تلي هذه الآية .

وأقول إنه يحسن أن نتذكر الواقعة التاريخية لما بين هذه الواقعة وإشعاعات الآية من تناسق وانسجام ، وعلى وجه الاختصار فإن الواقعة التاريخية تقول إن نفرًا من المؤمنين عرفوا الطريق الصحيح واهتدوا إلى العقيدة الحقة فآمنوا بها ودعوا إليها وثار عليهم خصوم الحقيقة وأعداء الصواب ففتنوهم ، وكانت الفتنة تعريض هؤلاء المؤمنين للون من العذاب الرهيب ، وهو حفر الأخاديد في الأرض وإشعال النار فيها وإلقاء المؤمنين في هذه النار ليحترقوا بها وهم أحياء .

وفي الأحاديث الشريفة التي عرضناها لكم قبل اليوم إيضاح لا بد من الإشارة إليه ، فإن الغلام الذي كان مفتاح القضية أعجز الملك المتجبر ولم يستطع هذا الجبار العنيد أن يقضي عليه ، فكان مما أراد الله تعالى أن أنطق الغلام بالمشورة والرأي فقال للملك: إن أردتَ أن تقتلني فخذ من كنانتي سهمًا وصوّب السهم إلي وقل: باسم الله رب الغلام فإنك ستقتلني . ولأمر أراده الله تعالى فإن هذا الملك الجبار فعل ما أشار به الغلام فقال: باسم الله رب الغلام وأطلق السهم فأصاب الغلام في صدره فقضى عليه . ورأت جماهير الناس ما الذي حصل ، بعدما تسامعت ما قام به الملك لكي يقضي على الغلام فباءت بالفشل كلها ، فقالوا حين رأوا هذا: آمنا برب الغلام .

ثم نحن أمام لوحة واقعية ، جيل من الناس آمن بالرسالة فأخذ بها لنفسه ودعا الناس إليها وصبر على البلاء والامتحان . وكان البلاء رهيبًا ومنكرًا ، ومع هذا قابله المؤمنون بالرضا والتسليم ، فمن قدر عليه الملك راح ضحية هذه النار المتوقدة في الأخاديد . وقد يخطر لبعض الأذهان على مرّ العصور والأزمان أن عمليات الإبادة والاستئصال وتتبع المؤمنين في الطرق والسكك يمكن أن يكون وسيلة فعالة في مكافحة الإيمان ووقف زحف الإسلام .

ولكن حين نرجع إلى الواقعة فنحن لا نعلم إن كان قد بقي أحد من المؤمنين لم ينله العذاب ولم تزهق روحه في الأخاديد ، لا نعلم ، لكن الذي هو أشبه أن يكون المؤمنون جميعًا لاقوا هذه الميتة الشنيعة البشعة ، فقد تذكرون أن مما جاء في نص الحديث أن امرأة ممن آمن بالله جاءت وهي تحمل رضيعها على صدرها ، فلما أرادت أن تقتحم النار فكأنما أدركها ما يدرك الأم من شفقة على الوليد فأحجمت وترددت ، فقال لها هذا الغلام الرضيع: يا أماه اثبتي واصبري فإنك على الحق . فإذا كان العذاب ينال الأطفال الرضّع فيشبه أن يكون هذا العذاب قد أتى على جميع المؤمنين في تلك اللحظة . إلا أن الذي يدهش هو مكر الله تعالى ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) فقد وقع في ذهن الملك الجبار أنه بقتله لكل المؤمنين أنه سيخل له وجه الناس ولن تشكل هذه الدعوة عليه بعد الآن أي خطر ، فقلب الله عليه مقصوده ، فحين ضرب الغلام وقال بسم الله رب الغلام تنبه الناس إلى أن الملك قد استفرغ جهوده كلها ولم يترك وسيلة ولا حيلة من أجل أن يقتل هذا الغلام فأنجاه الله تعالى ، ولم يبقى في يد الملك شيء يستطيع أن يفعله تجاه هذا الغلام المؤمن ، فلما ضربه مسميًا بسم رب الغلام أدرك الناس أن الملك ليس تلك الذات المتعالية عن البشر وعن سواد الناس وجماهير الشعب ، أن الملك ليس تلك التي تملك الإعطاء والرزق والحرمان والإحياء والإماتة ، وأن فوق هذا الملك قوة هي أعلى وأقوى وأقدر ، ولو لم يكن الأمر بهذه المثابة لما مات الغلام إذ سمى عليه بسم الله رب الغلام ، وحين رأى الناس هذه الواقعة تحدث أمام أعينهم قالوا جميعًا آمنا برب الغلام . أي أنه جيل مضى حرقًا في الأخاديد ولكن الأرض في اللحظة ذاتها أنبتت جيلًا آخر أخذ بالقضية ومشى بها وكان من سلالتها والله أعلم ذلك الوفد النصراني الذي جاء زائرًا النبي عليه الصلاة والسلام في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت