فهرس الكتاب

الصفحة 13362 من 27345

وأيضًا ثمة معنى آخر ، وهو أن الله يحمد عباده المؤمنين ، الله ليس بحاجة إليكم أبدًا ، ليس بحاجة إلى عبادتكم ، ولكن من واسع فضل الله ومن عميم نعمة الله أنه يحمدكم أيضًا حينما تحمدونه على نعمة أنعمها عليكم . يقول النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله يرضى من المسلم إذا أكل الأكلة أو شرب الشربة أن يحمده عليها . ويقول أيضًا: لو أن الإنسان قدّم كل شيء ، أي أخذ كل شيء من الله تعالى ، كل النعم الموجودة على الأرض ، لو أن الإنسان أخذها فقال: الحمد لله لكانت كلمة الحمد لله خيرًا وأثقل في الميزان من كل هذه النعم التي أعطاها الله للإنسان . إن النعم يتمتع بها الإنسان والحيوان ، وتكون كلمة الحمد لله في مجال الاعتراف لصاحب النعمة بأنه هو الذي أوصلها إليك وهو الذي يسرها لك .

إن معنى الحميد تتجلى أن الله أيضًا يحمد عباده ، وفي ذلك يأتي الحديث القدسي الذي يرويه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربنا تبارك وتعالى يقول: وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ، وإذا تقرّب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ، وإذا تقرّب إلي ذراعًا تقرّبت إليه باعًا ، وإن جاءني يسعى أتيته هرولة . إن الله جل وعلا يحمد عباده ولا يوجد شيء يعيبه في ذلك .

إن وصف الحميد في هذه الآية يفتح أمام هؤلاء المعاندين الأبواب مشرعة كي لا يتمادوا في هذا الطريق البغيض ، طريق الضلال وطريق البعد عن الله تعالى .

والوصف الثالث الذي جاء هنا هو أنه تعالى مالك كل شيء ، وينفع في هذا المقام أن نقول أننا نحن وخصومنا وكل ما في السماوات وما في الأرض ، ومن في السماوات ومن في الأرض بيد الله لا إله إلا هو ، يتصرف بنا كيفما يشاء ، لا نخرج عن إرادته ، ولا نغيب عن علمه ، هو المالك لكل شيء الذي له ملك السماوات والأرض . فإذا كان الأمر كذلك فيجب علينا نحن المؤمنين أن لا نبتئس وأن لا نيأس ، ويجب أن لا نشمئز ولا نتضعضع حينما تكثر النكبات والكوارث والمحن . وعلى هؤلاء الذين يقاتلون المؤمنين أن يتذكروا أنهم خلق من خلق الله دائمًا تحت مفهوم الملك لله تعالى .

لو أنني أردت أن آخذ بأيديكم إلى الخوارق لذكرت لكم شأن ذلك الرجل التقي العابد الذي غضب عليه سلطان من الجائرين فأمر بأن يُلقى في الجب وأن تطلق عليه السباع لكي تفترسه ، وبالفعل ألقي هذا الإنسان التقي في الجب وأطلق عليه السبع وقال الناس: مات الرجل . ومن عجب أن يطلّ المطلّون على الجب فيروا أن الرجل مستغرقًا في الذكر والتأمل ، ويرون السبع الأسد يدور حول هذا الإنسان التقي . وحين أُخرج من الجب سألوه فقال: ما كان علي من بأس وكنت أفكر في لعاب الأسد ، هل هو طاهر أم نجس . هذا هو الشيء الذي خطر على بالي .

إذًا فلا ينبغي للمؤمنين أن يلقوا بالًا للمتاعب والمصاعب التي يرونها وهم في طريق الدعوة ، ذلك شيء من طبيعة الطريق ، وإنه لا علاج لهذه الحالة إلا الشعور بأننا جميعًا ملك لله تعالى .

ويأتي الوصف الرابع ، إنك حين تفعل السيئة وتستخفي بها عن أعين الناس لا تشعر بوخذ الضمير بنفس النسبة وبنفس المقدار الذي يكون عليه شعورك وأنت فعلت نفس السيئة أمام أعين الناس ، حين يكون ذنبك أمام الجمهور فإنك تتضاءل وتستحي وتخجل ، لأنك تشعر أنها الفضيحة التي لا يمكن أن يُغطى عليها . والله تعالى بإيراد هذا الوصف ( والله على كل شيء شهيد ) يريد أن يُعلِم هؤلاء الذين يناوئون المؤمنين أن جريمتهم كبيرة ، ألا يعلمون أن الله لا يعلم سرهم ونجواهم ؟ بلى ورسل الله لديه يكتبون ، إن الله على كل شيء شهيد ، إن الله يستجيش عاطفة الحياء في نفوس هؤلاء الناس لكي يفيئوا إلى شيء من المعاني الكريمة التي تتحرك عادة في نفس الإنسان .

هذه أوصاف أربعة ، كنت خليقًا أن أمرّ عليها حتى نبرزها كي يكون فهمنا للقرآن الكريم صحيحًا وسليمًا ، على نحو مقارب مما كان يفهمه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، ومما كان يفهمه أيضًا أعداء الله من المشركين والجبارين في ذلك الزمان .

وما أعظمها من عبر ودروس للمؤمنين لو أنها استقرت في النفوس لجعلت من الناس أناسًا آخرين ، ولأحالت هذا الإنسان مخلوقًا آخر يستصغر كل شيء في جنب الله تعالى ، ويستهين بكل شيء طالما هو مؤمن بأنه يأوي إلى ركن شديد ، يأوي إلى الله العزيز الحميد .

ولو أننا عرفنا معاني أوصاف الله تعالى وانتفعنا بهذه المعرفة في حياتنا العملية لتغيرت الأحوال ولذللت مصاعبنا ، ولكن الله وحده هو الذي بيده كل شيء ، فنسأله وهو المعين أن يهدينا سبل السلام وأن يحبب إلينا الإيمان وأن يزينه في قلوبنا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت