فهرس الكتاب

الصفحة 12979 من 27345

جمال الطاهر*

تقديم:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فإن المساجد بيوت الله وأفنيته، ميمونة ميمون أهلها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في مساجدهم، والله عز وجل في حوائجهم ، من سعى إلى هذه المساجد، وحافظ على الصلاة فيها، وتعلّق قلبه بها، فهو في ذمة الله وحفظه وكلاءته، إن دعا أُجيب، وإن سأل أُعطي، يجد فيها الهدى والنور، والعلم والعمل، يرى فيها وجوهًا طيبة، ويسمع أصواتًا خاشعة، وهي بعد ذلك زاده إلى الآخرة وسبيله إلى رضوان الله، كان سلفنا الصالح وأئمتنا المهتدون حريصين على تجلية أحكامها، وبيان آدابها، حتى يكون المسلم الذي يرتادها على نور من ربه، فيعرف ما يأتي وما يذر.

وقد سار على نهجهم أخونا الأستاذ: جمال الدين الطاهر - جمّله الله بالعلم والإيمان - فبذل جهده، واستفرغ وسعه في هذه الصفحات، وزيّنها بنقولات مهمة، وتحقيقات نافعة، أسأل الله أن يجزيه خيرًا، وأن يعظم الأجر والمثوبة لكاتبها ، وطابعها، وناشرها، ومن أنفق عليها، وأن ينفعنا بما علمنا .

والحمد لله أولًا وآخرًا

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد

كتبه: د. عبد الحي يوسف

الأربعاء 28 ربيع الأول 1422

الموافق: 20 يونيو 2001م

مقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، فإنه من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

وبعد...

فقد وضع الله تعالى أول بيت من بيوته في الأرض وأشرفها وهو المسجد الحرام؛ ليقام فيه دينه، كما قال الله تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين) ، وكما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو ذر رضي الله عنه قال:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام ، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا" [رواه مسلم] ، فأما المسجد الأقصى فقد بناه يعقوب عليه السلام على أحد روايات التاريخ بأمر من الله عز وجل ليُستعلن له فيه ـ أي: يجهر له فيه بالعبادة ـ حين استقر به المقام في (القدس) ، وجدده بعد ذلك داود عليه السلام وكمله سليمان عليه السلام [البداية والنهاية 1/196، وفتح الباري 2/408، إعلام الساجد للزركشي 30] ، وقد أخرج النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن سليمان عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل اللهَ خلالًا ثلاثة: سأل الله عز وجل حُكمًا يصادف حكمه فأُوتيه، وسأل الله عز وجل مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده فأًوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألاّ يأتيه أحد لا ينهزه إلاّ الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه فأوتيه". واختلف الناس فيمن بنى البيت الحرام أولًا: فقيل بنته الملائكة لما روى جعفر بن محمد قال: سئل أبي وأنا حاضر عن بدء خلق البيت فقال: إن الله عز وجل لما قال (إني جاعل في الأرض خليفة) قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) ؛ فغضب عليهم فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أشواط يسترضون ربهم حتى رضي الله عنهم، وقال لهم: ابنوا لي بيتًا في الأرض يتعوّذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي؛ فأرضى عنه كما رضيت عنكم فبنوْا هذا البيت. وقيل بناه آدم عليه السلام كما ذُكر عن ابن جريج وابن المسيب وغيرهما أن الله أوحى إلى آدم: إذا هبطت ابن لي بيتًا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بعرشي الذي في السماء [تفسير القرطبي 2/120 - 121] .

الباب الأول: فضل المساجد

مكانة المسجد في الإسلام:

إن مكانة المسجد في الإسلام لتظهر بجلاء في كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء، حتى بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بُني في المدينة، وأول مسجد بني لعموم الناس كما قال ابن كثير رحمه الله [البداية والنهاية 3/209] .

وكذلك عندما واصل صلى الله عليه وسلم سيره إلى قلب المدينة كان أول ما قام به تخصيص أرض لبناء مسجده صلى الله عليه وسلم . ولقد وعى هذا الأمر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاهتموا بذلك، واعتنى الخلفاء الراشدون بها فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاته أن يبنوا مسجدًا جامعًا في مقر الإمارة، ويأمروا القبائل والقرى ببناء مساجد جماعة في أماكنهم. عن عثمان بن عطاء قال لما فتح عمر بن الخطاب البلد كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ للجماعة مسجدًا فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة فشهدوا الجمعة [كنز العمال 8/313-314] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت