الفكر الإسلامي والتحديات التي تواجهه في مطلع القرن الخامس عشر الهجري
الأستاذ أنور الجندي
لاريب في أن نشأة الفكر الإسلامي في حضانة الدعوة الإسلامية له جذوره العريقة وأصوله الأصلية المستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة واللغة العربية وسيرة الرسول وتاريخ الإسلام والأدب العربي وقد اكتمل مفهوم الإسلام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم"اليوم أكملت لكم دينكم"وقد كانت قواعد الفكر الإسلامي الأساسية قد بدأت ونمت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مستمدة من القرآن وأن هذه القواعد لم تغير من بعده ولم تجر أية إضافة إليه فظلت قيمتها الأساسية كما جاء بها وحي السماء والقرآن وسنن النبي في تفسيرها وتطبيقها. وإنما جرت حركة العمل من داخل الإطار الذي رسمه القرآن. ولقد كان اتصال المسلمين بالفلسفات اليونانية والفارسية والهندية تجربة قاسية انتهت بانتصار الإسلام بمفهوم"السنة الجامعة"وهزمت جميع محاولات السيطرة والاحتواء والغزو الفكري كما نسميه بلغة العصر وبقيت الحقائق الأساسية قائمة.
إن الإسلام ليس دينًا كسائر الأديان ولكنه حركة اجتماعية واسعة تشمل الاعتقاد والمجتمع والدولة ومختلف نظم الاقتصاد والسياسة والأخلاق وأن ميزة الإسلام أنه نظرية كلية شاملة وأنه لم يجزئ الحياة بل نظر إليها نظرة كلية كما نظر إلى الإنسان كوحدة نفسية وجسمية لا تنفصل.
وفي العصر الحديث وفي إبان الحملة الاستعمارية والصهيونية والماركسية واجه الإسلام تحديات خطيرة أبرزها:
أولًا: إثارة الشبهات حول حقيقة الإسلام والتشكيك في طبيعته الجامعة التي ميزته عن سائر الأديان وهو أنه منهج حياة ونظام مجمتع وإثارة الشبهات حول مفهوم الدين المنزل من السماء والوحي بصفة عامة والدعوة إلى هدم الأديان عن طريق ما يسمى (علم الأديان) المقارن أو القول بأن الأمم بدأت وثنية ثم عرفت التوحيد بعد ذلك. وهو قول معارض للحقيقة التي جاءت بها الكتب المنزلة والتي تثبتها كل الدلائل التاريخية والكشوف الأثرية، وهي أن البشرية بدأت موحدة ثم اعتراها التغير واستسلمت للفكر البشري الوثني والمادي وأن آدم أبو البشرية كان نبيًا وهو موحدًا. وهناك تلك الأطروحات الباطلة التي استمدها خصوم الإسلام من غير المسيحية بالقول بأن الإسلام دين عبادي وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نبيًا روحيًا وأنه لم يكن حاكمًا وما أقام دولة وهو وهم باطل كشفت البحوث الصحيحة عن فساجه وعن أن الذين قالوا به إنما استمدوه من المسيحية ومن مفاهيم الاستشراق المعادية للإسلام كذلك فإن مفهوم التوحيد الذي عرفته بعض الأديان السماوية التي انحرفت تفسيراتها ليس هو مفهوم التوحيد الخالص الذي جاء به الإسلام، وأن هؤلاء القوم يدعون أن لهم إلهًا خاصًا بهم، أما الإسلام فيقرر أن الله تبارك وتعالى هو رب العالمين كذلك فإن ما يدعيه البعض من توحيد إخناتون لم يكن في الحقيقة هو التوحيد الصحيح الذي جاءت به أديان السماء وأن التوحيد كان دعوة أديان السماء المنزلة منذ آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولم تكن قاصرة على دين واحد هو الدين الذي أنزل على موسى عليه السلام كما تحاول أن تطرح ذلك نظريات فاسدة.
وقد تداولت البشرية التوحيد الذي جاءت به الأديان رسولًا بعد رسول ونبيًا بعد نبي وفي خلال الفترات التي كانت تعود إلى الوثنية وإلى الفكر البشري ولكنها كانت تعرف التوحيد منذ نشأة الحياة الإنسانية.
وقد تميز الإسلام عما سبقته من مفاهيم حول الله تبارك وتعالى بأنه جمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأنه غاير مفهوم الوثنية ومفهوم التعدد والتثليث والشرك وغيره بأن أقر المسلم بالله تعالى ربًا خالقًا وبكل ما قدر الله من أمر وهو ما تمثله عبارة القرآن في فاتحة الكتاب"إياك نعبد وإياك نستعين".
ثانيًا: إثارة الشبهات حول مفهوم الاجتماع الإسلامي، في شأن ثبات القيم الأخلاقية وارتباطها بالدين والدعوة إلى هدم الأخلاق عن طريق مذاهب الوجودية الفرويدية وهدم الأسرة عن طريق مذاهب تدعي أن الأسرة ليست الفطرة وتحاول هذه المذاهب التي عرفت باسم مدرسة العلوم الاجتماعية أن تشكك في ثبات القيم الأخلاقية وارتباطها بالإنسان والدعوة إلى أخلاق متطورة تختلف باختلاف البيئات والعصور.
ويدخل في هذا تلك النظريات التي طرحها فرويد وسارتر ودوركايم.